Content

[1] عمارة المساجد

[2]طاعةالوالدين

[3] التبني في الجاهلية والإسلام

[4] من آداب الوليمة:

[5] الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

[6] حجاب المرأة المسلمة

[7] حكم التماثيل والصور:

[8] موقف الشريعة من الحيل

[9] التثبت من الأخبار:

[10] حرمة مس المصحف

[11] تلاوة القرآن

Lecture 1

[1] عمارة المساجد

. (17- 18)

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)

.سبب النزول:

روي أن جماعة من رؤساء قريش أُسروا يوم بدر فيهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيّروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبّخُ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم، إنّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني فنزلت: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله{

 

..الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: ما المراد بعمارة المساجد في الآية الكريمة؟

ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بعمارة المساجد هو بناؤها وتشييدها وترميم ما تهدم منها، وهذه هي (العمارة الحسية) ويدل عليه قوله عليه السلام: «من بنى لله مسجداً ولو كمِفْحَص قطاة بني الله له بيتاً في الجنة».

وقال بعضهم: المراد عمارتها بالصلاة والعبادة وأنواع القربات كما قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه} [النور: 36] وهذه هي (العمارة المعنوية) التي هي الغرض الٳسمي من بناء المساجد، ولا مانع أن يكون المراد بالآية النوعين (الحسية) و(المعنوية) وهو اختيار جمهور العلماء لأن اللفظ يدل عليه، والمقام يقتضيه.

قال أبو بكر الجصاص: وعمارة المسجد تكون بمعنيين: أحدهما: زيارته والمكث فيه، والآخر: بناؤه وتجديد ما استرم منه، وذلك لأنه يقال: اعتمر إذا زار، ومنه العمرة لأنها زيارة البيت، وفلان من عُمّار المساجد إذا كان كثير المضيّ إليها، فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد، ومن بنائها، وتولّي مصالحها، والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين.

الحكم الثاني: ما المراد بالمساجد في الآية الكريمة؟

– 1قال بعض العلماء: المراد به المسجد الحرام لأنه المفرد العلم، الأكمل الأفضل وهو قبلة المساجد، وسبب النزول يؤيد هذا القول وهو مروي عن عكرمة، واختاره بعض المحققين لقراءة الإفراد (أن يعمروا مسجد الله).

ب- وقال آخرون: المراد به جميع المساجد، لأنه جمع مضاف فيعم، ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أوّلياً، كما إذا قلنا: فلان لا يقرأ كتب الله، يدخل فيه القرآن بطريق أوكد.

أقول: هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، لأن الصيغة تفيد عموم الحكم، فلا يليق بالمشركين أن يعمروا أي مسجد من مساجد الله بأنواع العمارة، لأن الكفر ينافي ذلك، كما لا يصح لهم دخول هذه الأماكن الطاهرة المقدسة، كما قال الإمام مالك رحمه الله، وسيأتي حكم دخول المشركين للمساجد في الآيات التالية.

الحكم الثالث: هل يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد؟

أخذ بعض العلماء من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يستخدم المسلم الكافر في بناء المسجد، لأنه من العمارة الحسيّة، وقد نهى تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله.

والظاهر جواز استخدامه لأن الممنوع منها إنما هو (الولاية) عليها، والاستقلال بتصريف شؤونها، كأن يكون ناظر المسجد، أو المتصرف بالوقف كافراً، وأما استخدام الكافر في عمل لا ولاية فيه، كنحت الحجارة والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، وهذا قول جمهور الفقهاء.

Lecture 2

[2]طاعةالوالدين

. (12- 15)

{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)}

.سبب النزول:

روى الحافظ (ابن كثير) في تفسيره عن (سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه أنه قال: (كنتُ رجلاً براً بأمي، فلما أسلمتُ، قالت يا سعد: ما هاذ الدين الذي أراك قد أحدثت! لتَدَعن دينك هذا، أو لا آكل، ولا أشرب، حتى أموت فتعيّر بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلتَ لها: يا أمّهْ لا تفعلي، فإني لا أدع ديني هذا لشيء أبداً(

قال: فمكثتْ يوماً وليلة ولم تأكُلْ، فأصبحتْ وقد جَهِدت، فمكثت يوماً وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتدّ جهدها.. فلما رأيتُ ذلك جئتُ إليها فقلت: يا أُمّهْ، تعلمينَ واللَّهِ،لوكنت لك ما ٸة نفس أي)روح (فخرجت نفسانفسا ما تركت ديني هذا لشيء أبدا فإن شئتِ فكلي وإن شئت فدعي.. فلما رأت صلابته في دينه أكلت فأنزل الله عز وجل: {وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ…}

.

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: ما هي مدة الرضاع المحرِّم؟

استدل الفقهاء على أن مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم هو سنتان بهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وفصاله فِي عَامَيْنِ} فإنّ المراد بالفصال الفطام فتكون السنتان هي تمام مدة الرضاع.

واستدلوا أيضاً بقوله تعالى في سورة البقرة [233] {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة…}. على أن أقصى مدة الرضاع سنتان فقط.

وهذا رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) رحمهم الله تعالى.

وذهب الإمام (أبو حنيفة) رحمه الله إلى أن مدة الرضاع المحرِّم سنتان ونصف، ودليله قوله تعالى في سورة الأحقاف [15]: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً…} الآية.

وله في الاستدلال من الآية الكريمة وجهان:

الوجه الأول: أن المراد بالحمل هنا ليس حمل الجنين في بطن أمه، وإنما حمله على اليدين من أجل الإرضاع فكأن الله تعالى يقول: تحمل الأم ولدها بعد الولادة لترضعه مدة ثلاثين شهراً، فتكون المدة المذكورة في الآية الكريمة لشيءٍ واحد وهو الرضاع.

الوجه الثاني: أنّ الله سبحانه وتعالى ذكر في الآية الكريمة أمرين وهما: (الحمل) و(الفِصال)، وأعقبهما بذكر بيان المدة، فتكون هذه المدة لكلٍ من الأمرين استقلالاً ويصبح المعنى على هذا التأويل: حملة ثلاثون شهراً، وفصاله ثلاثون شهراً أي إن المدة لكلٍ منهما (عامان ونصف) وبذلك يثبت أن مدة الرضاع عامان ونصف، وهو كما إذا قال إنسان عليه دين (لفلانٍ وفلان عندي مائة إلى سنة) فتكون السنة هي أجل كلٍ من الدَيْنَيْن، وكذلك هنا تكون الثلاثون شهراً مدة كلٍ من الحمل والرضاع. وهذا الرأي الذي ذهب إليه (أبو حنيفة) رحمة الله لم يوافقه عليه تلميذاه (أبو يوسف) و(الإمام محمد) بل قالوا بمثل قول الجمهور وهو أن مدة الرضاع المحرِّم عامان فقط.

الترجيح: ولعلنا بعد استعراض الأدلة نرجح قول الجمهور، لا سيّما وأنّ تلميذيه قد خالفاه فيما ذهب إليه، ودليل أبي حنيفة وإن كان وجيهاً إلا أن يحتاج إلى تكلفٍ في التأويل بخلاف دليل الجمهور. والله أعلم.

الحكم الثاني: كم هي مدة الحمل الشرعي؟

أجمع الفقهاء على أن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر، وهذا الحكم مستنبط من قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً}[الأحقاف: 15] ومن قوله تعالى في الآية الأخرى: {وفصاله فِي عَامَيْنِ} فمن مجموع الآيتين الكريمتين يبتيَّن أن أقل مدة الحمل هي ستة شهور.. قال (ابن العربي) في تفسيره: روي أن امرأة تزوجت فولدت لستة أشهر من يوم تزوجت، فأتي بها عثمان رضي الله عنه فأراد أن يرجمها، فقال (ابن عباس) لعثمان: إنها إن تخاصمْكم بكتاب الله تخصِمْكم، قال الله عز وجل: {وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً} [الأحقاف: 15] وقال: {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة…} [البقرة: 233] فالحمل ستة أشهر، والفصال أربع وعشرون شهراً، فخلّى عثمان رضي الله عنه سبيلها.

وفي رواية أنّ (علي بن أبي طالب) قال له ذلك.

الحكم الثالث: هل يقتص من الوالد بجنايته على الولد؟

ذهب الجمهور الفقهاء إلى أن الولد لا يستحق القوَد على أحد والديه بجناية أحدهما عليه، ولا يقتص منهما بسبب الولد، كما لا يحدّ إذا قذفه أحدهما ولا يحبس له بدين عليه.

ودليلهم أن الله سبحانه وتعالى قد أمر بالصحبة لهما بالمعروف فقال: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً} وليس من المعروف أن يقتص من الوالد للولد، ولا أن يحبس في دينه، ولا أن يحدّ إذا قذفه لأن ذلك كلّه مما يتنافى مع صحبتهما بالمعروف. ولأنهما كانا سبباً في حياته، فلا يصح أن يكون الولد سبباً في إهلاك والديه. وقد جاء في الحديث ما يؤيد هذا حيث قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقاد للولد من والده».

الحكم الرابع: هل تلزم طاعة الوالدين في الأمور المحظورة؟

قال العلامة القرطبي: إن طاعة الأبوين لا تراعى في ارتكاب كبيرة، ولا في ترك فريضة وتلزم طاعتهما في المباحات، ونقل عن (الحسن) أنه قال: إن منعته أُمّه من شهود صلاة العشاء شفقةً فلا يطعها.

ثم قال: والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق. وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها أمها من الرضاعة فقالت: «يا رسول الله إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم».

وهذه الأحكام استنبطها العلماء من قوله تعالى: {وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} فكما تحرم طاعة الوالدين في الشرك تحرم في كل معصية، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وهذا المعنى قد سَنّه الخليفة الراشد (أبو بكر) رضي الله عنه في خطبته الأولى حين تولى الخلافة على المؤمنين. فكان فيما قال: (أما بعد. أيها الناس: إني قَدْ وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوِّموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيتُه فلا طاعة لي عليكم).

الحكم الخامس: هل يصح سلوك طريق غير المؤمنين؟

ظاهر قوله تعالى: {واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ} وجوب الاقتداء بالسلف الصالح وسلوك طريق المؤمنين، وتحريم السير في اتجاه يخالف اتجاههم كطريق المنافقين والكافرين. وقد صرّح بهذا المعنى في قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نُوَلِّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} [النساء: 115]. فلا بدّ من الانضواء تحت رأية أَهل التوحيد والإيمان واتباع سبيلهم، فالخير كله في الاقتداء بهم، والسير على منوالهم. ولقد

Lecture 3

[3] التبني في الجاهلية والإسلام

. (1- 5):

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)

..سبب النزول:

روى المفسّرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة أسباباً عديدة نذكر أصحها وأجمعها:

أولاً: رُوي أنّ أبا سفيان بن حرب، وعكرمه بن أبي جهل، وأبا الأعور السّلمي، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينهم، فنزلوا على عبد الله بن أبيّ، ومُعتّب بن قُشَيْر، والجدّ بن قيس، فتكلموا فيما بينهم، وأتو رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوه إلى أمرهم، وعرضوا عليه أشياء، وطلبوا منه أن يرفض ذكر (اللاَّت والعُزى) بسوء. وأن يقول: إنّ لها شفاعة، فكره صلى الله عليه وسلم ذلك، ونزلت هذه الآية: {يا أيها النبي اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين}.

ثانياً: وروي أنّ رجلاً من قريش يُدعى (جميل بن مَعْمَر الفِهْري) كان لبيباً، حافظاً لما سمع، فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلاّ وله قلبان في جوفه، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكلّ واحدٍ منهما أفضل من عقل محمد ، فلمّا كان يوم بدر، وهُزِم المشركون- وفيهم يومئذٍ جميل بن مَعْمر- تلقَّاه (أبو سفيان) وهو معلّق إحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: ما حال الناس؟ فقال: انهزموا، قال: فما بال إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجلك؟

قال: ما شعَرْتُ إلاّ أنهما في رجليّ!!

فعرفوا يومئذٍ أنه لو كان له قلبان لما نسيَ نعله في يده فأنزل الله تعالى: {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ…}الآية.

ثالثاً: وروى السيوطي عن مجاهد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تبنّى (زيد بن حارثة) وأعتقه قبل الوحي، فلمذا تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش قال اليهود والمنافقون: تزوّج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها فنزل قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ}.

رابعاً: وروى البخاري في (صحيحه) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ما كنّا ندعو (زيد بن حارثة) إلاّ زيد بن محمد، حتى نزلت الآية الكريمة: {ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله…}.!!

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: هل تقع المعصية من الأنبياء؟

من المعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون عن ارتكاب الذنوب والمعاصي. فإنّ (العصمة) من صفاتهم. فلا يمكن أن تقع معصية من الأنبياء أو تحصل منهم مخالفة لأوامر الله عز وجلّ. لأنهم القدوة للخلق وقد أُمِرْنا باتّباعهم. فلو جاز عليهم الوقوع في المعصية لأصبحت طاعتهم غير واجبة أو أوصبحنا مأمورين باتباعهم في الخير والشر. لذلك عصمهم الله من الذنوب والآثام، فكل ما ورد في القرآن الكريم مما ظاهره يخالف (عصمة الأنبياء) فلا بدّ من فهمه على الوجه الصحيح حتى لا يتعارض مع الأصل العام. فقوله تعالى هنا: {وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين} لا يفهم منه أنه صلى الله عليه وسلم مال إلى طاعتهم، أو أحبّ موافقتتهم على ما هم عليه من نفاقٍ وضلال. وإنما هو تحذيرٌ للأمة جاء في صورة خطابٍ للرسول عليه السلام ومما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}حيث جاء بصسغة الجمع وقد عرفت ما فيه.

الحكم الثاني: هل الظهارمحرّم في الشريعة الإسلامية؟

دلت الآيات الكريمة على أن الظهار كان من العادات المتّبعة في الجاهلية وكان من أشدّ أنواع الطلاق.

حيث تثبت به (الحرمة المؤبدة) وتصبح الزوجة المظاهَرُ منها- في اعتقادهم- أماً كالأم من النسب، فأبطل الإسلام ذلك، واعتبره بهتاناً وضلالاً، وحرّم الظهار ولكنه جعل حرمته مؤقتة إلى أن يكفّر عن ظهاره. قال تعالى: {الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] فالظهار في الإسلام منكر ولكن له كفارة يتخلص بها الإنسان من الإثم، وستأتي أحكام الظهار مفصّلة إن شاء الله عند تفسير سورة المجادلة.

الحكم الثالث: هل يجوز التبني في الإسلام؟

كما أبطل الإسلام الظهار أبطل (التبني) وجعله محرماً في الشريعة الإسلامية لأن فيه نسبة الولدإلي غير أبيه وهو من الكباٸر التي توجب السخط واللعنة فقدأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله تعالى منه صَرْفاً ولا عدلاً».

وجاء في الحديث الصحيح: «ليس من رجلٍ ادّعى لغير أبيه وهو يعلم إلاّ كفر».

وقال صلى الله عليه وسلم: «من ادّعى إلى غير أبيه- وهو يعلم أنه غير- فالجنة عليه حرام».

قال في (تفسير روح المعاني): وظاهر الآية حرمة تعمد دعوة الإنسان لغير أبيه، ولعلّ ذلك فيما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية.. وأما إذا لم يكن كذلك كما يقول الكبير للصغير على سبيل (التحنن والشفقة) يا ابني، وكثيراً ما يقع ذلك فالظاهر عدم الحرمة.

الحكم الرابع: ما المراد بالخطأ والعمد في الآية الكريمة؟

نفى الله سبحانه وتعالى الجُناح (الإثم) عمن أخطأ، وأثبته لمن تعمّد دعوة الرجل لغير أبيه وقد اختلف المفسرون في المراد من (الخطأ والعمد) في الآية الكريمة على قولين:

أ- ذهب (مجاهد) إلى أنّ المراد بالخطأ هنا ما كان قبل ورود النهي والبيان، والعمد ما كان بعد النهي والبيان.

ب- وذهب (قتادة) إلى أن الخطأ هنا ما كان من غير قصد فقد أخرج (ابن جرير) عن قتادة أنه قال في الآية: لو دعوت رجلاً لغير أبيه، وأنت ترى أي (تظنّ) أنه أبوه، لم يكن عليك بأس، ولكن ما تعمّدت وقصدتَ دعاءه لغير أبيه أي فعليك فيه الإثم.

فعلى الرأي الأول يكون المراد بالخطأ الذي رفع عنهم فيه الإثم هو تسميتهم (الأدعياء) أبناء قبل ورود النهي. وأنّ العمد الذي ثبت فيه الإثم هو ما كان بعد ورود النهي، ويصبح معنى الآية: ليس عليكم إثم أو حرج فيما فعلتموه من التبني في الجاهلية قبل أن تعرفوا أحكام الإسلم ولكن الحرج والإثم فعلتموه بعد الإسلام، وبيان الأحكام.

وعلى الرأي الثاني يكون المراد بالخطأ ما وقع منهم عن غير قصد أو تعمد، والعمد ما كان عن إصرار وقصد، ويصبح معنى الآية: ولا جناح عليكم فيما سبق إليه اللّسان على سبيل الغلط من نسبة الإنسان إلى غير أبيه بطريق الخطأ أو النسيان، وأمّا ما تقصّدتم نسبته إلى غير أبيه مع علمكم بأنّ هذا الولد من غيره فعليكم الإثم والحرج.

وقد رجّح أبو حيّان في تفسيره (البحر المحيط) الرأي الثاني، وضعّف الأول وقال: (قوله تعالى: {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} قيل: المراد به رفع الحرج عنهم فيما كان قبل النهي، وهذا ضعيف، لا يوصف بالخطأ ما كان قبل النهي.

وقيل: فيما سبق إليه اللسان، إمّا على سبيل الغلط، أو على سبيل التحنّن والشفقة، إذ كثيراً ما يقول الإنسان للصغير: يا بني، كما يقول للكبير: يا أبي على سبيل التوقير والتعظيم(

الحكم الخامس: ما هو حكم الاستلحاق في الشريعة الإسلامية؟

الاستلحاق الذي أباحه الإسلام، ليس من التبنّي المحرم المنهيّ عنه في شيء، فإنّ من شرط الحلّ في الاستلحاق الشرعي أن يعلم (المستلحق) بكسر الحاء أنّ (المستلحَق) بفتح الحاء ابنه. أو يظنّ ذلك ظناً قوياً، وحينئذٍ شرع له الإسلام استلحاقه. وأحلّه له. وأثبت نسبه منه. بشروط مبينة في كتب الفقه. أمّا التبنّي المنهيّ عنه فهو دعوى الولد مع القطع بأنه ليس ابنه، وأين هذا من ذاك؟

الحكم السادس: هل يباح قول: يا أخي أو يا مولاي؟

ظاهر الآية الكريمة: {فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فإخوانكم فِي الدين ومواليكم} أنه يباح أن يقال في دعاء من لم يُعْرف أبوه: يا أخي، أو يا مولاي، إذا قصد الأخوّة في الدين، والولاية فيه، لا أخوّة النسب وقرابته، فإن الله تعالى جعل المؤمنين إخوة{إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ومعلوم أنه لا يراد بها أخوّة النسب فدلّ على جواز قول المسلم: هذا أخي يقصد بها أخوّة الإسلام وقرابة الدّين.

وخصّ بعض العلماء ذلك بما إذا لم يكن المدعوّ فاسقاً. وكان دعاؤه ب (يا أخي) أو (يا مولاي) تعظيماً له فإنه يكون حراماً، لأننا نُهينا عن تعظيم الفاسق، فمثل هذا يُدْعى باسمه، أو بقولك: يا عبد الله، أو يا هذا، ففي الحديث الشريف (لا تقولوا للمنافق يا سيّد، فإنه إن يك سيّداً فقد إغضبتم ربكم(

.Lecture 4

[4] من آداب الوليمة:

.(53)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)

.سبب النزول:

تعرضت الآية الكريمة لأمرين هامين هما (آداب الدعوة) و(مشروعية الحجاب) ولكل منهما سبب نزول.

أما الأول: فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بأهله فصنعت (أم سليم) أمي حَيْساً فجعلته في تَوْر وقالت يا أنس إذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل بعثت به إليك أمي، وهي تقرئك السلام وتقول لك: إن هذا منا قليل يا رسول الله!!

قال: فذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت له: إن أمي تقرئك السلام وتقول لك: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، فقال: ضعه ثم قال: إذهب فادع لي فلاناً وفلاناً، ومن لقيتَ وسمَّى رجالاً، فدعوت من سَمَّى ومن لقيتُ، قيل لأنس: عدد كَمْ كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، قال أنس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أنس هات التور، قال فدخلوا حتى امتلأت الصُفَّة والحجرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه، فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم، فقال لي يا أنس: ارفع، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت؟ وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وزوجُه موليَّة وجهها إلى الحائط فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فسلم على نسائه ثم رجع فلما، رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه فابتَدرُوا الباب وخرجوا كلهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحُجْرة فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج عليّ وأنزل الله هذه الآية: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي} فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها على الناس.

ثانياً: وأما بالنسبة لمشروعية الحجاب فقد كان سبب النزول ما روي في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ متاعا فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} الآية. وهذه إحدى الموافقات الثلاثة التي نزل القرآن الكريم فيها موافقاً لرأي عمر رضي الله عنه.

وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزل: {واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] وفي الحجاب فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة فقلت: عسى ربه إن طلقكُنَّ أن يُبْدِلَه أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك(

.

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: هل يجوز تناول الطعام بدون دعوة؟

اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز دخول البيوت إلا بإذن. ولا يجوز تناول طعام الإنسان إلا بإذن صريح أو ضمني، لقوله عليه السلام: «لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفسه».

وقد دلت الآية الكريمة على حرمة دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد الإذن، وعلى حرمة (التطفل) وهو أن يحضر إلى الوليمة بدون دعوة، وفاعله يسمى ب (الطفيلي)، والحكم عام في جميع البيوت، فلا يجوز لإنسان أن يدخل بيت أحد بدون إذنه، ولا أن يتناول الطعام بدون رضى صاحبه، وهذا أدب رفيع من الآداب الاجتماعية التي أرشد إليها الإسلام.

قال ابن عباس: كان ناس يتحيَّنون طعامه عليه الصلاة والسلام، فيدخلون عليه قبل الطعام، وينتظرون إلى أن يدرك، ثمّ يأكلون ولا يخرجون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم فنزلت هذه الآية.

وقال ابن كثير رحمه الله: (حظر الله تعالى على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى لهذه الأمة، ومعنى الآية: أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ، حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإنّ هذا مما يكرهه الله ويذمه.. ثمّ قال: وهذا دليل على تحريم التطفل(.

الحكم الثاني: هل الجلوس بعد تناول طعام الوليمة حرام؟

دلّ قوله تعالى: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا} على ضرورة الخروج بعد تناول الطعام، وهذا من الآداب الإسلامية التي أدّب الله بها المؤمنين، فالمكث والجلوس بعد تناول الطعام ليس بحرام، ولكنّه مخالف لآداب الإسلام، لما فيه من الإثقال على أهل المنزل سيما إذا كانت الدار ليس فيها سوى بيت واحد، اللهمَّ إلا إذا كان الجلوس بإذن صاحب الدار أو أمره، أو كان جلوساً يسيراً تعارفه الناس، لا يصل إلى حدّ الإثقال المذموم.

ومع ذلك فالأفضل الخروج، ولهذا جاء التعبير بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب {فانتشروا}.

الحكم الثالث: هل الأمر بالحجاب خاص بأزواج النبي أم هو عام؟

الآيات الكريمة وردت في شأن بيوت النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، تعظيماً لرسول الله، وتكريماً لشأنه، ولكنّ الأحكام التي فيها عامّة تعمُّ جميع المؤمنين، لأنها آداب اجتماعية، وإرشادات إلهية، يستوي فيها جميع الناس، فالأمر بعدم الاختلاط بالنساء، وبسؤالهن من وراء حجاب، ليس قاصراً على أزواج الرسول، ولكنه عام يشمل جميع نساء المؤمنين، فإذا كان نساء الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز الاختلاط بهن، ولا النظر إليهن، مع أنهن (أمهات المؤمنين) يحرم الزواج بهن، ولا يجوزسؤالهن إلا من وراء حجاب، فلا شكَّ أن الاختلاط بغيرهن من النساء، أو التحدث إليهن بدون حجاب، يكون حراماً من باب أولى، لأن الفتنة بالنساء متحققة.

ثمّ إنّ أمر الحجاب ليس خاصاً بأزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو عام لجميع نساء المؤمنين، بدليل قوله تعالى في آخر السورة: {يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59].

فهل خرجت مؤمنة من هذا الخطاب؟ وهل أمر الحجاب خاص بنساء الرسول حتى يزعم بعض المضِلّين، أن الحجاب مفروض على نساء الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر النساء؟

الحكم الرابع: هل الطعام المقدّم للضيف على وجه التمليك أم الإباحة؟

أشارت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا} إلى أنّ الطعام الذي يقدّم للضيف لا يكون على وجه التمليك، وإنما هو على وجه الإباحة، فلو أراد الضيف أن يحمل معه الطعام إلى بيته لا يجوز له ذلك لأن المضيف إنما أباح له الأكل فقط دون التملك له أو أخذه أو إعطائه لأحد.

قال العلامة القرطبي: في هذه الآية دليل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف، لا على ملك نفسه لأنه تعالى قال:{فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا} فلم يجعل له أكثر من الأكل، ولا أضاف إليه سواه، وبقي الملك على أصله.

الحكم الخامس: هل زال النكاح عن أمهات المؤمنين بموت النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال القرطبي: ف -3 يتفسيره (الجامع لأحكام القرآن): اختلف العلماء في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، هل بقين أزواجاً أم زال النكاح بالموت، وإذا زال النكاح بالموت فهل عليهن عدة أم لا؟

فقيل: عليهن العدة، لأنه تُوفي عنهن، والعدة عبادة.

وقيل: لا عدة عليهن، لأنها مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة.

قال: والقول الثاني هو الصحيح لقوله عليه السلام: «ما تركتُ بعد نفقة عيالي» وروي (أهلي) وهذا اسم خاص بالزوجية، فأبقى عليهن النفقة والسكنى مدة حياتهن لكونهن نساءه، وحرمن على غيره، وهذا هو معنى بقاء النكاح. وإنما جعل الموت في حقه عليه السلام بمنزلة المغيب في حق غيره، لكونهن أزواجاً له في الآخرة قطعاً، بخلاف سائر الناس، لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة، فربما كان أحدهما في الجنة، والآخر في النار، فبهذا انقطع السبب في حق الخلق، وبقي في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام: «كلُّ سببٍ ونسبٍ ينقطع، إلا سببي ونسبي فإنه باق إلى يوم القيامة».

فأما زوجاته عليه السلام اللاتي فارقهن في حياته مثل الكَلْبيّة وغيرها، فهل كان يحل لغيره نكاحهن؟ فيه خلاف، والصحيح جواز ذلك، لما روي أن الكلبية التي فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها (عكرمة بن أبي جهل) على ما تقدم، وقيل: إن الذي تزوجها (الأشعث بن قيس الكندي(

قال القاضي أبو الطيب: الذي تزوجها (مهاجر بن أبي أمية) ولم ينكر ذلك أحد، فدلّ على أنه إجماع.

Lecture 5

[5] الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

. (56- 58)

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: ما هي صيغة الصلاة والتسليم على النبي عليه السلام؟

صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وردت فيها طرق كثيرة من السنة النبوية المطهَّرة، وقد ذكرت فيها صور مختلفة عن كيفية الصلاة عليه من المؤمنين، واختلافُها يشعر بأن الغرض ليس تحديد (كيفية خاصة) وإنما هي ألوان من التعظيم والثناء له عليه السلام، وسنقتصر على بعض ما صحّ من هذه الكيفيات، لأنّ استيعابها يطول، فنقول ومن الله نستمد العون:

أولاً: روى الشيخان عن كعب بن عُجْرة رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله: أمّا السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال قل: «اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد

ثانياً: وروى مالك وأحمد والشيخان عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا يا رسول الله: كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: «اللهمّ صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

ثالثاً: وأخرج الجماعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس (سعد بن عُبادة) فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال قولوا: «اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم.

وفي بعض رواياته: «اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد.

وهناك روايات أخرى دون هذه في الصحة وتخالفها بالزيادة والنقص في مواضع كثيرة.

وما دام المراد تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم فأي عبارة تكون واردة من طريق صحيح كان لك أن تأخذ بها.

وأما التسليم فصيغته معروفة وهي أن يقول المؤمنون: السلام عليك يا رسول الله.

وفي التشهد يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

ومعنى التسليم: الدعاء بالسلامة من جميع البلايا والآفات والأسقام، وذهب ابن السائب إلى أن معنى التسليم: الانقياد وعدم المخالفة أي سلّموا لما يأمركم به والله أعلم.

الحكم الثاني: ما معنى صلاة الله والملائكة على النبي عليه السلام؟

تقدّم معنا أن الصلاة في اللغة تأتي بمعنى (الدعاء) وتأتي بمعنى (الرحمة) وتأتي بمعنى (التمجيد والثناء) ومن الأخير قوله تعالى: {أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157].

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة من الله تعالى على نبيه معناها تمجيده والثناء عليه وإلى هذا ذهب البخاري وطائفة من العلماء وهو أظهر.

وقال آخرون: المراد بالصلاة على النبي رحمته ومغفرته إلى هذا ذهب الحسن البصري وسعيد بن جبير، وقيل: المراد بها البركة والكرامة.

وأما صلاة الملائكة فمعناها: الدعاء له عليه السلام والاستغفار لأمته، وعلى جميع الأقوال فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.

الحكم الثالث: هل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الندب أو الفرض؟

أمر الله سبحانه المؤمنين بالصلاة على نبيه الكريم، وهذا الأمر للوجوب فتكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، ويكاد العلماء يجمعون على وجوب الصلاة والتسليم عليه مرّة في العمر، بل لقد حكى (القرطبي) الإجماع على ذلك، عملاً بما يقتضيه الأمر (صلّوا) من الوجوب، وتكون الصلاة والسلام في ذلك كالتلفظ بكلمة التوحيد، حيث لا يصح إسلام الإنسان إلا بالنطق بها.

وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هل تجب في كل مجلس، وكلما ذكر اسمه الشريف صلى الله عليه وسلم؟ أم هي مندوبة؟ وذلك بعد اتفاقهم على أنها واجبة في العمر مرة.

أ- فقال بعضهم: إنها واجبة كلَّما ذُكر اسم النبي عليه السلام.

ب- وقال آخرون: تجب في المجلس مرة واحدة ولو تكرَّر ذكره عليه السلام في ذلك المجلس مرات.

ج- وقال آخرون: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد أو مجلس، ولا يكفي أن يكون في العمر مرة.

وحجة القائلين بالوجوب في المجلس، أو كلما ذكر اسم الرسول عليه الصلاة والسلام، أن الله عز وجلّ أمر بها، والأمر يفيد التكرار، ثمّ ما ورد من الوعيد الشديد لمن لم يصلّ على رسول الله عليه السلام، كقوله: «البخيل الذي من ذُكِرتُ عنده فلم يُصلِّ عليّ» رواه الترمذي. وقوله عليه السلام: ما من قوم يجلسون في مجلسٍ ثم يقومون منه لا يذكرون الله ولا يصلُّون على نبيه إلاّ كان تِرَةً عليهم يوم القيامة

وقول جبريل للنبي عليه السلام: «بَعُدَ من ذكرتَ عنده فلم يصلّ عليك، فقلت آمين». فهذه تفيد الوجوب عندهم.

وذهب جمهور العلماء إلى أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قربة وعبادة، كالذكر والتسبيح والتحميد، وأنها واجبة في العمر مرة، ومندوبة ومسنونة في كل وقت وحين، وأنه ينبغي الإكثار منها لما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشراً» وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الشهيرة في فضل الصلاة على النبي عليه السلام، فهي مطلوبة ولكن لا على سبيل (الوجوب) بل على سبيل (الندب) والاستحباب.

قال العلامة أبو السعود: والذي يقتضيه الاحتياط، ويستدعيه معرفة علو شأنه عليه الصلاة والسلام، أن يصلي عليه كلما جرى ذكره الرفيع.

وما ذهب إليه الجمهور هو الأصح والأرجح والله تعالى أعلم.

الحكم الرابع: هل تجب الصلاة على النبي عليه السلام في الصلاة؟

اختلف الفقهاء في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على مذهبين:

أ- مذهب الشافعي وأحمد: أنها واجبة في الصلاة ولا تصح الصلاة بدونها.

ب- مذهب مالك وأبي حنيفة: أنها سنّة مؤكدة في الصلاة وتصح الصلاة بدونها مع الكراهة والإساءة.

أدلة الشافعية والحنابلة:

استدل الشافعية والحنابلة على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في الصلاة بأدلة نوجزها فيما يلي:

أ- الأمر الوارد في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ} والأمر يقتضي الوجوب، ولا وجوب في غير التشهد، فتكون الصلاة على النبي واجبة في الصلاة.

ب- حديث كعب بن عجرة: (قلنا يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد…

قال ابن كثير رحمه الله: ذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصحّ صلاته، وهو ظاهر الآية، ومفسّر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وهو مذهب الإمام أحمد، وإليه ذهب ابن مسعود وجابر بن عبد الله.

أدلة المالكية والأحناف:

واستدل المالكية والأحناف على مذهبهم ببضعة أدلة نوجزها فيما يلي:

أ- قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ} قالوا: قد تضمنت هذه الآية الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وظاهره يقتضي الوجوب، فمتى فعلها الإنسان مرة واحدة في صلاة أو غير صلاة فقد أدّى فرضه، وهو مثل كلمة التوحيد والتصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم متى فعله الإنسان مرة واحدة في عمره فقد أدى فرضه، والأمر يقتضي الوجوب لا التكرار.

ب- حديث ابن مسعود حين علّمه صلى الله عليه وسلم التشهد فقال: «إذا فعلتَ هذا، أو قلتَ هذا، فقد تمت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، ثم اختر من أطيب الكلام ما شئت» ولم يأمره بالصلاة على النبي عليه السلام.

ج- حديث معاوية السلمي وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن» ولم يذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

د- ما روي عن كثير من الصحابة أنهم كانوا يكتفون بالتشهد في الصلاة وهو (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ولا يوجبون الصلوات الإبراهيمية.

)شرح مختصر الطحاوي(

الحكم الخامس: هل تجوز الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟

يرى بعض العلماء أن الصلاة تجوز على غير الأنبياء، لأن الصلاة معناها الدعاء، والدعاء يجوز للأنبياء ولغير الأنبياء، واستدلوا بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى.

وذهب الأكثرون إلى أن الصلاة (شعار) وهي خاصة بالأنبياء، فلا تجوز لغيرهم فلا يصح أن تقول: اللهم صلّ على الشافعي مثلاً أو على أبي حنيفة، وإنما تترحم عليهما، ويجوز الترضي عن الصحابة والتابعين ولا تجوز الصلاة عليهم لأنها شعار الأنبياء والمرسلين.

قال العلامة أبو السعود: وأمّا الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتجوز تبعاً، وتكره استقلالاً، لأنه في العرف شعار ذكر الرسل، ولذلك لا يجوز أن يقال: (محمدٌ عزَّ وجل) مع كونه صلى الله عليه وسلم عزيزاً جليلاً.

والمراد بقوله تبعاً أن تقول مثلاً: اللهم صلّ على محمد وآله وذريته وأتباعه المؤمنين، فلا يصح أن تقول: اللهم صل على ذرية محمد، ولا اللهم صلّ على أزواج محمد، وإنما إذا صليت على الرسول يجوز لك أن تضيف تبعاً من شئت من عباد الله الصالحين، والله أعلم.

Lecture 6

[6] حجاب المرأة المسلمة

 

(59):

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)

.سبب النزول:

روى المفسّرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة، أنّ الحرة والأمة كانتا تخرجان ليلاً لقضاء الحاجة في الغيطان، وبين النخيل، من غير تمييز بين الحرائر والإماء، وكان في المدينة فسّاق، لا يزالون على عاداتهم في الجاهلية يتعرضون للإماء، وربّما تعرضوا للحرائر، فإذا قيل لهم يقولون: حسبناهنّ إماءً. فأمرت الحرائر أن يخالفن الإماء في الزيّ فيتسترن ليحتشمن ويُهَبْن فلا يطمع فيهن ذوو القلوب المريضة، فأنزل الله: {يا أيها النبي قُل لأزواجك…} الآية.

وقال ابن الجوزي: سبب نزولها أن الفسّاق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حرّة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة، فآذوها، فنزلت هذه الآية: قاله السدي.

.

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: هل يجب الحجاب على جميع النساء؟

يدل ظاهر الآية الكريمة على أنّ الحجاب مفروض على جميع المؤمنات (المكلفات شرعاً) وهنّ: (المسلمات، الحرائر، البالغات) لقوله تعالى: {يا أيها النبي قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين…} الآية.

فلا يجب الحجاب على الكافرة لأنها لا تكلّف بفروع الإسلام، وقد أمرنا أن نتركهم وما يدينون، ولأنّ (الحجاب) عبادة لما فيه من امتثال أمر الله عزّ وجلّ، فهو بالنسبة للمسلمة كفريضة الصلاة والصيام، فإذا تركته المسلمة جحوداً فهي (كافرة) مرتدة عن الإسلام، وإذا تركته- تقليداً للمجتمع الفاسد- مع اعتقادها بفرضيته فهي (عاصية) مخالفة لتعاليم القرآن {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية} [الأحزاب: 33].

وغير المسلمة- وإن لم تُؤمر بالحجاب- لكنّها لا تُترك تفسد في المجتمع، وتتعرّى أمام الرجل، وتخرج بهذه الميوعة والانحلال الذي نراه في زماننا، فإنّ هناك (آداباً اجتماعية) يجب أن تُراعى، وتطبّق على الجميع، وتستوي فيها المسلمة وغير المسلمة حماية للمجتمع، وذلك من السياسات الشرعية التي تجب على الحاكم المسلم.

وأمّا الإماء فقد عرفتَ ما فيه من أقوال للعلماء، وقد ترجّح لديك رأي العلاّمة (أبي حيّان): في أنّ الأمر بالستر عام يشمل الحرائر والإماء، وهذا ما يتفق مع روح الشريعة في صيانة الأغراض، وحماية المجتمع، من التفسخ والانحلال الخلقي، وأمّا البلوغ فهو شرط التكليف كما تقدم.

أقول: يطلب من المسلم أن يعوّد بناته منذ سنّ العاشرة على ارتداء الحجاب الشرعي حتى لا يصعب عليهن بعدُ ارتداؤه، وإن لم يكن الأمر على وجه (التكليف) وإنما هو على وجه (التأديب) قياساً على أمر الصلاة (مُروا أولادكم بالصلاة وهم أنباء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع).

الحكم الثاني: ما هي كيفية الحجاب؟

أمر الله المؤمنات بالحجاب وارتداء الجلباب صيانة لهنّ وحفظاً، وقد اختلف أهل التأويل في كيفية هذا التستر على أقوال:

أ- فأخرج ابن جرير الطبري عن ابن سيرين أنه قال: (سألتُ عَبيدةَ السّلماني) عن هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن} فرفع مِلْحفة كانت عليه فتقنّع بها، وغطّى رأسه كلّه حتى بلغ الحاجبين، وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شقّ وجهه الأيسر.

ب- وروى ابن جرير وأبو حيّان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (تلوي الجلباب فوق الجبين، وتشدّه ثمّ تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها، لكنّه يستر الصدر ومعظم الوجه).

ج- وروي عن السّدي في كيفيته أنه قال: (تغطّي إحدى عينيها وجبهتها، والشقّ الآخر إلا العين). قال أبو حيّان: وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلاّعينها الواحدة.

د- وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: لما نزل هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن}خرج نساء الأنصار كأنّ على رؤوسهنّ الغُربان من أكسية سودٍ يلبسنها.

الحكم الثالث: هل يجب على المرأة ستر وجهها؟

تقدّم معنا في سورة النور أنّ المرأة منهية عن إبداء زينتها إلا للمحارم {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ} [النور: 31] الآية ولمّا كان الوجه أصل الزينة، ومصدر الجمال والفتنة، لذلك كان ستره ضرورياً عن الأجانب، والذين قالوا إن الوجه ليس بعورة اشترطوا ألاّ يكون عليه شيء من الزينة كالأصباغ والمساحيق التي توضع عادة للتجمّل، وبشرط أمن الفتنة، فإذا لم تؤمن الفتنة فيحرم كشفه.

وممّا لا شك فيه أن الفتنة في هذا الزمان غير مأمونة، لذا نرى وجوب ستر الوجه حفاظاً على كرامة المسلمة، وقد ذكرنا بعض الحجج الشرعية على وجوب ستره في بحث (بدعة كشف الوجه) من سورة النور، ونزيد هنا بعض أقوال المفسّرين في وجوب ستر الوجه.

طائفة من أقوال المفسّرين في وجوب ستر الوجه:

أولاً: قال ابن الجوزي في قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن} أي يغطين رؤوسهنّ ووجوههنّ ليعلم أنهن حرائر،

ثانياً: وقال أبو حيّان في (البحر المحيط): وقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن} شامل لجميع أجسادهن، أو المراد بقوله: {عَلَيْهِنَّ} أي على وجوههنّ، لأنّ الذي كان يبدوا منهنّ في الجاهلية هو الوجه.

ثالثاً: وقال أبو السعود: الجلباب: ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، تلويه المرأة على رأسها وتبقي منه ما ترسله على صدرها، ومعنى الآية: أي يغطين بها وجوههنّ وأبدانهنّ إذا برزن لداعية من الدواعي.

وعن السّدي: تغطّي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين.

رابعاً: وقال أبو بكر الرازي: وفي هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن} دلالة على أنّ المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبييين. وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع فيهن أهل الريب.

خامساً: وفي (تفسير الجلالين): الجلابيب جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطّين رؤوسهنّ ووجوههنّ بالجلابيب إلاّ عيناً واحدة ليعلم أنهن حرائر.

سادساً: وفي (تفسير الطبري): عن ابن سيرين أنه قال: سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن} فرفع ملحفة كانت عليه فتقنّع بها وغطّى رأسه كله حتى الحاجبين، وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد تقدّم الحديث سابقاً.

فهذا وأمثاله كثير من أقوال مشاهير المفسّرين، يدل دلالة واضحة على وجوب ستر الوجه وعدم كشفه أمام الأجانب، اللهم إلاّ إذا كان الرجل خاطباً، أو كانت المرأة في حالة إحرام بالحج، فإنه وقت عبادة والفتنة مأمونة، فلا يقاس على هذه الحالة كما يفعل بعض الجهلة اليوم، حيث يقولون: إذا جاز لها أن تكشف عن وجهها في حالة الإحرام فمعناه أنه يجوز لها أن تكشف في غيره من الأوقات لأن الوجه ليس بعورة، فهذا كلام من لم يفقه شريعة الإسلام.

ومن درس حياة السلف الصالح، وما كان عليه النساء الفضليات- نساء الصحابة والتابعين- وما كان عليه المجتمع الإسلامي في عصره الذهبي من التستر، والتحفظ، والصيانة عرف خطأ هذا الفريق من الناس، الذين يزعمون أن الوجه لا يجب ستره بل يجب كشفه، ويدعون المرأة المسلمة أن تسفر عن وجهها بحجة أنه ليس بعورة، لأجل أن يتخلصوا من الإثم- بزعمهم- في كتم العلم، وما دروا أنها مكيدة دبّرها لهم أعداء الدين، وفتنة من أجل التدرج بالمرأة المسلمة إلى التخلص من الحجاب الشرعي، الذي عمل له الأعداء زمناً طويلاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

الحكم الرابع: ما هي شروط الحجاب الشرعي؟

يشترط في الحجاب الشرعي بعض الشروط الضرورية وهي كالآتي:

أولاً: أن يكون الحجاب ساتراً لجميع البدن لقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن}. وقد عرفت معنى (الجلباب) وهو الثوب السابغ الذي يستر البدن كله، ومعنى (الإدناء) وهو الإرخاء والسدل فيكون الحجاب الشرعي ما ستر جميع البدن.

ثانياً: أن يكون كثيفاً غير رقيق، لأنّ الغرض من الحجاب السترُ، فإذا لم يكن ساتراً لا يسمّى حجاباً لأنه لا يمنع الرؤية ولا يحجب النظر، وفي حديث عائشة أنّ (أسماء بنت أبي بكر) دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم… الحديث.

ثالثاً: ألاّ يكون زينة في نفسه، أو مبهرجاً ذا ألوان جذابه يلفت الأنظار لقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور: 31] الآية ومعنى: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أي بدون قصد ولا تعمد، فإذا كان في ذاته زينة فلا يجوز ارتداؤه، ولا يسمى (حجاباً) لأن الحجاب هو الذي يمنع ظهور الزينة للأجانب.

رابعاً: أن يكون فضفاضاً غير ضيّق، لا يشفّ عن البدنن ولا يجسّم العورة، ولا يظهر أماكن الفتنة في الجسم، وفي (صحيح مسلم) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». وفي رواية أخرى: وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام. رواه مسلم.

ومعنى قوله عليه السلام: «كاسيات عاريات»أي كاسيات في الصورة عاريات في الحقيقة، لأنهنّ يلبسن ملابس لا تستر جسداً، ولا تخفي عورة، والغرض من اللباس السترُ، فإذا لم يستر اللباس كان صاحبه عارياً.

ومعنى قوله: «مميلات مائلات» أي مميلات لقلوب الرجال مائلات في مشيتهن، يتبخترن بقصد الفتنة والإغراء، ومعنى قوله: «كأسنمة البخت» أي يصفّفن شعورهن فوق رؤوسن، حتى تصبح مثل سنام الجمل، وهذا من معجزاته عليه السلام.

خامساً: ألاّ يكون الثوب معطّراً فيه إثارة للرجال لقوله عليه الصلاة والسلام: «كلّ عينٍ نظرت زانية، وإنّ المرأة استعطرت فمرّت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية».

وفي رواية (أن المرأة استعطرت فمرّت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية).

وعن موسى بن يسار قال: (مرّت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: وتطيّبتِ؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقبل الله من امرأة صلاة، خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع وتغتسل).

سادساً: ألاّ يكون الثوب فيه تشبه بالرجال، أو ممّا يلبسه الرجال لحديث أبي هريرة: (لعن النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة الرجل). وفي الحديث: «لعن الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء» أي المتشبهات بالرجال في أزيائهن وأشكالهنّ كبعض نساء هذا الزمان نسأله تعالى السلامة والحفظ.

Lecture 7

[7] حكم التماثيل والصور:

. (10- 14):

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: هل كانت التماثيل مباحة في شريعة سليمان عليه السلام؟

يدل ظاهر الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن محاريب وتماثيل} على حل اتخاذ التماثيل، وعلى أنها كانت مباحة في شريعة سليمان عليه السلام، فالقرآن الكريم صريح في امتنان الله تعالى على (سليمان) بأن سخّر له الجن لتعمل له ما يشاء من (محاريب، وتماثيل، وجفان كالجواب، وقدور راسيات) وتخصيصُ هذه الأشياء بالذكر في معرض الإمتنان دليل على جوازها، وإذنٌ من الله تعالى باتخاذها، وللعلماء في هذه الآية الكريمة أقوال-نجملها فيما يلي:

أ- إن التماثيل الي أشار إليها القرآن كانت مباحة في شريعة سليمان، وقد نسخت في الشريعة الإسلامية، ومن المعلوم أن شريعة من قبلنا إنما تكون شريعة لنا إذا لم يرد ناسخ، وقد وجد هذا الناسخ فيكون اتخاذ التماثيل محرماً في شريعتنا قطعاً.

ب- إن التماثيل التي كانت في عهد نبي الله سليمان عليه السلام، لم تكن تماثيل لذي روح من إنسان أو طير أو حيوان، وإنما كانت تماثيل لما لا روح له كالأشجار والبحار والمناظر الطبيعية، فتكون شريعته عليه السلام موافقة لشريعتنا كما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

الحكم الثاني: ما هو حكم التماثيل والصور في الشريعة الإسلامية؟

نعى القرآن الكريم على التماثيل وشنّع على من كان يعكف عليها {مَا هذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] وندّد بمن يتخذ الأصنام والأوثان آلهة {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95- 96]؟.

وفي القرآن الكريم من قصص إبراهيم عليه السلام في تحطيم الأصنام ما هو معروف، وقد ورد أنّ رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم حطّم الأصنام التي كانت في جوف الكعبة، والتي كانت على الصفا والمروة.

والدين الإسلامي دين التوحيد، وعدوّ الشرك، وليس في الإسلام ذنب أعظم من الشرك، ولذلك فقد كانت حملته شديدة على الوثنية وعبادة الأصنام، وحرّمت الشريعة الإسلامية (التماثيل) لأنها تؤدي إلى ذلك المنكر الفاحش.

والسنَّةُ المطهّرة جاءت بالنعي على التصوير والمصورين، والنهي عن اتخاذ الصور والتنفير منها، ولذلك فإنّ من المقطوع به أن الإسلام حرّم التماثيل والتصاوير تحريماً قاطعاً جازماً.

وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة تدل على التحريم، حتى كادت تبلغ حد التواتر، وسنعرض إلى ذكر بعض هذه النصوص فنقول ومن الله نستمد العون.

.

.الأدلة القاطعة على تحريم التصوير:

النص الأول: روى البخاري ومسلم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله».

النص الثاني: روى البخاري ومسلم وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن اصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».

النص الثالث: روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي زُرعة قال: دخلتُ مع أبي هريرة دار مروان بن الحكم، فرأى فيها تصاوير وهي تُبنى، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عزّ وجلّ: «ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو فليخلقوا حبة، أو فليخلقوا شعيرة».

النص الرابع: روى البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: إني أصوّر هذه الصور فأفْتني فيها، فقال له: ادن مني فدنا، ثم قال: ادن مني فدنا، حتى وضع يده على رأسه وقال: إنبئك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: «كلّ مصوّر في النار، يُجعل له بكل صورة صوّرها نفس فيعذبه في جهنم».

قال ابن عباس: (فإن كنت لا بدّ فاعلاً فصوّر الشجر، وما لا روح فيه(.

وفي رواية أخرى عنه: سمعته يقول: «من صوّر صورة فإنّ الله يعذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً» ثم قال له ابن عباس: (إن أبيت إلاّ أن تصنع، فعليك بهذه الشجر، كل شيء ليس فيه روح(

النص الخامس: روى الشيخان وأصحاب السنن عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، قالت: فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت يا رسول الله: أتوب إلى الله ورسوله ماذا أذنبت؟ فقال: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتَوَسّدها، فقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إنّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة.

النص السادس: روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ رضي الله عنه: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته(.

النص السابع: (روى الستة عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأخذت نمطاً فسترته على الباب، فلما قدم ورأى النمط عرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه وقال: «إنّ الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين!!» قالت عائشة: فقطعت منه وسادتين وحشوتهما ليفاً، فلم يعب ذلك عليّ).

النص الثامن: روى الشيخان والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعضُ نسائه كنيسةً يقال لها (مارية) وكانت أم سلمة، وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجلُ الصالحُ، بنوا على قبره مسجداً، ثمّ صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرارُ خلق الله».

أقول: هذه النصوص وأمثَالها كثير، تدل دلالة قاطعة على حرمة التصوير، وكلُ من درس الإسلام علِمَ عِلْمَ اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّم التصوير، واقتناء الصور وبيعها، وكان يحطّم ما يجده منها، وقد ورد تشديد الوعيد على المصوّرين، واتفق أئمة المذاهب على تحريم التصوير لم يخالف في ذلك أحد، ولبعض العلماء استثناء شيء منها، سنذكره فيما بعد، كما نذكر علة التحريم، ونعرّج بعد ذلك على حكم التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) وننقل

آراء العلماء فيه على ضوء النصوص الكريمة.

 

العلة في تحريم التصوير:

يظهر لنا من النصوص النبوية السابقة، أنّ العلة في تحريم التماثيل والصور، هي (المضاهاة) والمشابهة لخلق الله تعالى، يدل على ذلك:

أ- حديث: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله».

ب- وحديث: «إن أصحاب هذه الصور يُعذّبون… يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».

ج- وحديث: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي… فليخلقوا حبة، أو فليخلقوا شعيرة».

فالعلة هي إذاً: التشبه بخلق الله، والمضاهاة لصنعه جل وعلا.

كما أن الحكمة أيضاً في تحريم التصوير هي: البعد عن مظاهر الوثنية، وحماية العقيدة من الشرك، وعبادة الأصنام، فما دخلت الوثنيّة إلى الأمم الغابرة إلاّ عن طريق (الصور والتماثيل) كما دل عليه حديث أم سلمة وأم حبيبة السابق وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: «أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، ثمّ صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار خلقِ الله يوم القيامة».

وقد روي أن الأصنام التي عبدها قوم نوح (وَدّ، وسُوَاغٌ، ويغُوثُ، ويعُوقُ، ونسْرُ) التي ذكرت في القرآن الكريم، كانت اسماءً لأناسٍ صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا اتخذ قومُهم لهم صوراً، تذكيراً بهم وبأعمالهم، ثمّ انتهى الحال آخر الأمر إلى عبادتهم.

ذكر الثعلبي عن ابن عباس: في قوله تعالى: {وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً}[نوح: 23] أنه قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم تذكروهم بها، ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم عبدت من دون الله.

قال أبو بكر ابن العربي: والذي أوجب النهي في شريعتنا- والله أعلم- ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصوّرون ويعبدون، فقطعَ اللَّهُ الذريعة، وحَمَى الباب.

قال ابن العربي: وقد شاهدت بثغر الإسكندرية، إذا مات ميّت صوّروه من خشب في أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته وكسوه بزيّه إن كان رجلاً، وحليتها إن كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب، فإذا أصاب واحداً منهم كرب أو تجدّد له مكروه، فتح الباب عليه وجلس عنده يبكي ويناجيه، حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه، ثمّ يغلق الباب عليه وينصرف، وإن تمادى بهم الزمان تَعْبدوها من جملة الأصنام.

.أنواع الصور:

قسم العلماء الصّور إلى قسمين:

أ- الصور التي لها ظل وهي المصنوعة من جبس، أو نحاسٍ، أو حجر أو غير ذلك وهذه (التماثيل).

ب- الصور التي ليس لها ظل، وهي المرسومة على الورق، أو المنقوشة على الجدار، أو المصوَّرة على البساط والوسادة ونحوها وتسمى (الصور).

فالتمثال: ما كان له ظل، والصورة: ما لم يكن لها ظل، فكل تمثال صورة، وليس كل صورة تمثالاً.

قال في (لسان العرب): والتمثال: الصورة، والجمع التماثيل، وظلّ كل شيء تمثاله، والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبّهاً بخلقٍ من خلق الله، وأصله: من مثّلت الشيء بالشيء إذا قدّرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهاً به، واسم ذلك الممثّل تمثال.

وقال القرطبي: قوله تعالى: {وتماثيل} جمع تمثال، وهو كلّ ما صُوّر على مثل صورة من حيوان، وقيل: كانت من زجاج، ونحاس، ورخام، وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء، وكانت تصوّر في المساجد ليراها الناس، فيزدادوا عبادة واجتهاداً.

فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهيّ عنها؟

قلنا: كان ذلك جائزاً في شرعه، ونسخ ذلك بشرعنا.

.ما يحرم من الصور والتماثيل:

يحرم من الصور والتماثيل ما يأتي:

أولاً: التماثيل المجسّمة إذا كانت لذي روح من إنسان أو حيوان يحرم بالإجماع للحديث الشريف: «إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، ولا صورة، ولا تماثيل، ولا جنب».

ثانياً: الصورة المصوّرة باليد لذي روح: حرام بالاتفاق لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» ولحديث: «من صوّر صورة أُمر أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ».

ثالثاً: الصورة إذا كانت كاملة الخلق بحيث لا ينقصها إلا نفخ الروح حرام كذلك بالاتفاق لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: «أُمِرَ أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ».

ولحديث عائشة: (دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرامٍ فيه صورة، فتلوّن وجهه ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إنّ أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشبّهون خلق الله» قالت عائشة: فقطعته فجعلت منه وسادتين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتفق بهما).

فهتْكُه عليه السلام للستر يدلُّ على التحريم، وتقطيع عائشة له وجعله وسادتين بحيث انفصلت أجزاء الصورة ولم تعد صورة كاملة يدل على الجواز، فمن هنا استنبط العلماء أن الصورة إذا لم تكن كاملة الأجزاء فلا حرمة فيها.

رابعاً: الصورة إذا كانت بارزة تشعر بالتعظيم، ومعلّقة بحيث يراها الداخل حرام أيضاً بلا خلاف لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان له ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حوّلي عني هذا، فإني كلّما رأيته ذكرتُ الدنيا).

ولحديث أبي طلحة عن عائشة قالت: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأخذت نَمَطاً فسترته على الباب، فلما قدم ورأى النّمَط عرفت الكراهية في وجهه، فجذبه حتى هتكه وقال: إنّ الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، قالت: فقطعت منه وسادتين وحشوتهما ليفاً، فلم يعب ذلك عليَّ).

.ما يباح من الصور والتماثيل:

ويباح من الصور والتماثيل ما يأتي:

أ- كل صورة أو تمثال لما ليس بذي روح كتصوير الجمادات، والأنهار والأشجار، والمناظر الطبيعية التي ليست بذات روح فلا حرمة في تصويرها لحديث ابن عباس السابق حين سأله الرجل إني أصوّر هذه الصور فأفتني فيها؟… فأخبره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له ابن عباس: (إن كنت لا بدَ فاعلاً فصوّر الشجر، وما لا روح له).

ب- كل صورة ليست متصلة الهيئة كصورة اليد وحدها مثلاً، أو العين، أو القدم، فإنها لا تحرم لأنها ليست كاملة الخلق، لحديث عائشة: (فقطتعها فجعلت منها وسادتين فلم يعب صلى الله عليه وسلم ذلك علي) وقد تقدم.

ح- ويستثنى من التحريم (لعب البنات) لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزُفَت إليه وهي بنت تسع ولُعَبُها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة.

وروي عنها أنها قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسرّبُهنّ إليّ فيلعبن معي.

قال العلماء: وإنما أبيحت لعب البنات للضرورة إلى ذلك، وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهنّ، ثم إنه لا بقاء لذلك، ومثله ما يصنع من الحلاوة أو العجين لا بقاء له، فرُخّص في ذلك والله أعلم.

 

.حكم التصوير الفوتوغرافي:

يرى بعض المتأخرين من الفقهاء أن التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) لا يدخل (دائرة التحريم) الذي يشمله التصوير باليد المحرّم، وأنه لا تتناوله النصوص النبوية الكريمة التي وردت في تحريم التصوير، إذ ليس فيه (مضاهاة) أو مشابهة لخلق الله، وأن حكمة حكم الرقم في الثوب المستثنى بالنص.

يقول فضيلة الشيخ السايس ما نصه: ولعلك تريد أن تعرف حكم ما يسمى بالتصوير الشمسي فنقول: يمكنك أن تقول إنّ حكمها حكم الرقم في الثوب، وقد علمت استثناءه نصاً، ولك أن تقول: إنّ هذا ليس تصويراً، بل حبساً للصورة، وما مَثَلُه إلا كمثل الصورة في المرآة، لا يمكنك أن تقول إن ما في المرآة صورة، وإن أحداً صوّرها.

والذي تصنعه آلة التصوير هو صورة لما في المرآة، غايةُ الأمر أن المرآة (الفوتوغرافيه) تثبت الظل الذي يقع عليها، والمرآة ليست كذلك، ثم توضع الصورة أو الخيال الثابت (العفريته) في حمض خاص فيخرج منها عدة صور، وليس هذا بالحقيقة تصويراً، فإنه إظهار واستدامة لصور موجودة، وحبس لها عن الزوال، فإنهم يقولون: إن صور جميع الأشياء موجودة غير أنها قابلة للانتقال بفعل الشمس والضوء، ما لم يمنع من انتقالها مانع، والحمض هو ذلك المانع، وما دام في الشريعة فسحة بإباحة هذه الصور، كاستثناء الرقم في الثوب فلا معنى لتحريمها خصوصاً وقد ظهر أن الناس قد يكونون في أشد الحاجة إليها. اهـ.

أقول: إن التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) لا يخرج عن كونه نوعاً من أنواع التصوير، فما يخرج بالآلة يسمّى (صورة)، والشخص الذي يحترف هذه الحرفة يسمى في اللغة والعرف (مصوّراً) فهو وإن كان لا يشمله النص الصريح، لأنه ليس تصويراً باليد، وليس فيه مضاهاة لخلق الله، إلاّ أنه لا يخرج عن كونه ضرباً من ضروب التصوير، فينبغي أن يقتصر في الإباحة على (حدّ الضرورة)، وما يتحقق به من المصلحة، قد يكون إلى جانبها مفسدة عظيمة، كما هو حال معظم المجلات اليوم، التي تنفث سمومها في شبابنا وقد تخصّصت للفتنة والإغراء، حيث تُصَوَّر فيها المرأةُ بشكل يندى له الجبين، بأوضاع وأشكال تفسد الدين والأخلاق.

فالصور العارية، والمناظر المخزية، والأشكال المثيرة للفتنة، التي تظهر بها المجلات الخليعة، وتملأ معظم صفحاتها بهذه الأنواع من المجون، مما لا يشك عاقل في حرمته، مع أنه ليس تصويراً باليد، ولكنه في الضرر والحرمة أشد من التصوير باليد.

ثمّ إن العلة في التحريم ليست هي (المضاهاة) والمشابهة لخلق الله فحسب، بل هناك نقطة جوهرية ينبغي التنبه لها وهي أن (الوثنية) ما دخلت إلى الأمم السابقة إلاّ عن طريق (الصور)، حيث كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، صوّروه تخليداً لذكراه، واقتداءً به، ثمّ جاء مَنْ بعدَهم فعبدوا تلك الصورة من دون الله، فما يفعله بعض الناس من تعليق الصور الكبيرة المزخرفة في صدر البيت، ولو كانت للذكرى، وليست تصويراً باليد، مما لا تجيزه الشريعة الغراء، لأنه قد يجر في المستقبل إلى تعظيمها وعبادتها، كما فعل أهل الكتاب بأنبيائهم وصلحائهم.

فإطلاق الإباحة في التصوير الفوتوغرافي، وأنه ليس بتصوير وإنما هو حبس للظلّ، مما لا ينبغي أن يقال، بل يقتصر فيه على حد الضرورة، كإثبات الشخصية، وكلِّ ما فيه مصلحة دنيوية مما يحتاج الناس إليه والله تعالى أعلم.

.Lecture 8

[8] موقف الشريعة من الحيل

 

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿٤١ ﴾ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴿٤٢ ﴾وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ ﴿٤٣﴾

 

.الأحكام الشرعية:

.الحكم الأول: ما هو سبب حلف أيوب عليه السلام بضرب أهله؟

دل ظاهر قوله تعالى: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} على أن أيوب عليه السلام كان قد صدر منه يمين على ضرب أهله، ويقول المفسرون إنه حلف لئن شفاه الله ليجلدن زوجته مائة جلدة، فأمره الله أن يأخذ قبضة من حشيش، أو حزمة من الخلال والعيدان، فيضرب بها ليبر بيمينه ولا يحنث، ولم تذكر الآية سبب هذا الحلف، وقد ذكر بعض المفسرين كلاما طويلا في سبب هذا اليمين، فقيل: إن امرأة أيوب كانت تخدمه وضجرت من طول مرضه، فتمثل لها الشيطان بصورة طبيب، وجلس في طريقها فقالت له: يا عبد الله إن هاهنا إنسانا مبتلى، فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم إن شاء شفيته، على أن يقول إذا برأ: أنت شفيتني، فجاءت إلى أيوب فأخبرته فقال: ذاك الشيطان، لله علي إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة.

وزعم بعضهم أن إبليس لقي زوجه أيوب فقال لها: أنا الذي فعلت بأيوب ما فعلت، وأنا إله الأرض، ولو سجدت لي سجدة واحدة لرددت عليه أهله وماله، فجاءت فأخبرت أيوب فأقسم أن يضربها إن عافاه الله.

وكتاب الله تعالى لم يأت فيه تفصيل للقصة، ولهذا انطلقت الخيالات تنسج قصصا في سبب بلائه وفي سبب حلفه على زوجه، منها ما هو باطل لا يصح اعتقاده ومنها ما هو ضعيف واهن.

.الحكم الثاني: هل يباح للرجل ضرب امرأته تأديبا؟

استدل بعض العلماء بالآية الكريمة على جواز ضرب الرجل امرأته تأديبا، وذلك لأن امرأة أيوب أخطأت في حق زوجها فحلف ليضربنها مائة جلدة، فأمره الله تعالى أن يضربها بعثكول من عثاكيل النخيل أو بحزمة من العيدان، وذلك ليبر في يمينه ولا يحنث، ولو كان الضرب غير جائز لما أقره القرآن عليه ودله على ما هو أرحم.

وفي الآية إشارة إلى أنه لا يجوز ضرب المرأة فوق حدود الأدب، ولهذا قال عليه السلام في حجة الوداع: «واضربوهن ضربا غير مبرح»، والجواز لا ينافي الكراهة فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تضربوا إماء الله»فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذأرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل النبي صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد طاف بآل محمد نساء يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم».

.الحكم الثالث: هل الحكم خاص بأيوب أم هو عام لجميع الناس؟

اختلف العلماء في هذا الحكم الذي أرشده الله تعالى إليه نبيه أيوب عليه السلام هل هو خاص به أم عام لجميع الناس؟

فذهب مجاهد إلى أنه خاص بأيوب عليه السلام، وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو مذهب مالك، وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى.

وذهب عطاء بن أبي رباح: وابن أبي ليلى إلى أن الحكم عام، وأن هذه الرخصة لجميع الناس فضلا من الله تعالى وكرما، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى.

.الحكم الرابع: هل يشترط في الضرب أن يكون مفرقا؟

وبناء على ما سبق فقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط، فجمعها كلها وضربه بها ضربة واحدة، هل يكفي ذلك أم لابد في الضرب أن يكون مفرقا؟

فقال مالك وأحمد: لا يبر بيمينه حتى يفرق الضرب.

وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا أصابه واحد منها فقد بر في يمينه ولا يشترط التفريق.

حجة المذهب الأول:

-1 إن هذا الأمر خاص بأيوب وزوجه لأن الله تعالى قال: )لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا( [المائدة: 48] ولأن زوجة أيوب لم تفعل أمرا تستحق معه جلد مائة، فجعل الله سبحانه لأيوب فرجا ومخرجا بذلك.

2- ولأنه إذ أقسم بالضرب إنما أراد الإيلام، وليس في الضرب بالجميع إيلام.

3- الأيمان مبناها على النية، فإن لم توجد فعلى اللغة والعرف، واللغة لا تجعل الضارب مرة بسوط ذي شعب ضاربا مرات بعدد الشعب، وكذا العرف فوجب أن تجري على ما هو الحكم عندنا بموجب العرف واللغة.

حجة المذهب الثاني:

1- عموم قصة أيوب عليه السلام، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت ناسخ، وقد جاء في الشرع ما يؤيدها، ولم يثبت الناسخ.

2- واستدلوا بحديث أبي أمامة عن بعض الصحابة من الأنصار: أنه أشتكى رجل منهم فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال من قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكروا له ذلك، وقالوا: ما رأينا بأحد من الضر مثل ما به، ولو حملناه لك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة سمراخ فيضربونه بها ضرة واحدة.

ودلالة الآية ظاهرة على صحة هذا القول.

وذلك لأن فاعل ذلك يسمى ضاربا لما شرط من العدد، وذلك يقتضي البر في يمينه.

-3 وقالوا: إن القرآن حكم بأنه لا يحنث بفعله لقوله تعالى: )فاضرب به ولا تحنث(.

ولكن يجب أن لا يطبق ذلك في الحدود إلا مقيدا بما ورد الحديث به، فيكون ذلك حد المريض الذي وصل من المرض إلى الحد الذي وصف في الحديث الشريف.

 

.الحكم الخامس: هل تجوز الحيلة في الشريعة الإسلامية؟

3- قال الجصاص: في تفسيره أحكام القرآن: وفي الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى ما يجوز فعله، ودفع المكروه بها عن نفسه وعن غيره لأن الله تعالى أمره بضربها بالضغث ليخرج به من اليمين ولا يصل إليها كثير ضرر.

أقول: هذا هو الحد المقبول من الحيل الشرعية التي توصل إلى ما يجوز فعله وتدفع المكروه عن نفسه وغيره. أما الحيل التي يتوصل بها إلى الهرب من فرائض الله، والتخلص مما أوجبه الله على الإنسان، فهذه لا يقبلها ذو قلب سليم ولا يقرها مسلم عاقل، لأن فرائض الله إنما فرضت لتؤدى، والواجبات إنما شرعت لتقام على وجه الأرض، لا لتكون طريقا للتلاعب في أحكام الله.

وقد استدل بعض العلماء على جواز الحيلة مطلقا بهذه الآية. وبقول الله تعالى في قصة يوسف: {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه} [يوسف: 70]، وليس الأمر كما زعموا فإن ذلك بإذن الله ليظهر فضله على سائر إخوته بدليل قوله تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله} [يوسف: 76].

قال الألوسي: وعندي أن كل حيلة أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل كحيلة سقوط الزكاة وحيلة سقوط الاستبراء وهذا كالتوسط في المسألة فإن من العلماء من يجوز الحيلة مطلقا ومنهم من لا يجوزها مطلقا.

.الحكم السادس: هل أفعال الإله جل وعلا تابعة للمصالح؟

قال الإمام الفخر رحمه الله: وفي قصة أيوب عليه السلام دلالة على أن أفعال ذي الجلال والإكرام منزهة عن التعليل بالمصالح والمفاسد {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23]. وذلك لأن أيوب لم يقترف ذنبا حتى يكون ابتلاؤه في مقابلة ذلك الجرم، وإن كان البلاء ليجزل له الثواب، فإن الله تعالى قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه من غير توسط تلك الآلام والأسقام، وحينئذ لا يبقى في تلك الأمراض والآفات فائدة. وهذه كلمات ظاهرية جلية والحق الصريح أنه لا يسأل عما يفعل.

.الحكم السابع: هل البر في اليمين أفضل أم الكفارة عن اليمين؟

في الآية الكريمة دليل على أن البر باليمين ما لم يكن في إثم أفضل من الكفارة.

وقد قال ابن تيمية- رحمه الله- إن الكفارة لم تكن مشروعة في زمنه وإلا لأمره الله تعالى بها. وذكره ابن العربي قبله.

قال القرطبي: قوله إنه لم يكن في شرعهم كفارة، ليس بصحيح، فإن أيوب عليه السلام لما بقي في البلاء ثمان عشرة سنة- كما في حديث ابن شهاب- قال له صاحباه: لقد أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه. فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: ما أدري ما تقولان، غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان فكل يحلف بالله، أو على النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي فأكفر عن أيمانهم إرادة أن لا يأثم أحد يذكره، ولا يذكره إلا بحق فنادى ربه: {أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} [الأنبياء: 83]. فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من شرع أيوب، وأن من كفر عن غيره بغير إذه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه الكفارة.

Lecture 9

[9] التثبت من الأخبار:

(6- 10):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)}

.سبب النزول:

أولاً: روى الإمام أحمد عن الحارث بن ضرار الخزاعي أنه قال: قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام، فدخلتُ فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إليّ يا رسول الله رسولاً لإبّان كذا، وكذا، ليأتيك بما جمعت من الزكاة.

. فلمّا جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ زمان الوعد الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه، احتبس الرسول فلم يأت، فظنّ الحارث أن قد حدث فيه سخطه من الله ورسوله، فدعا سَرَوَات قومه فقال لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ وقَّت لي وقتاً يرسل إليّ رسوله ليقبض ما كان عندنا من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخُلْف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطةٍ عليَّ، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وبعث رسول الله (الوليد بن عقبة) إلى الحارث ليقبض ما كان عنده ممّا جُمع من الزكاة، فلمّا سار حتى بلغ بعض الطريق، فَرِق فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البَعْث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى استقبله البعث وقد فصل عن المدينة، قالوا: هذا الحارث. فلما غشيهم قال إلى أين؟ قالوا: إليك، قال: ولم، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: منعتَ الزكاة وأردتَ قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلتُ إلاّ حين احتبس عليّ رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، خشية من أن تكون سخطة من الله ورسوله عليّ، فنزلت الآية: {يا أيها الذين آمنوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا.

قال الإمام الفخر: ما ذكره المفسّرون من أنها نزلت بسبب (الوليد بن عقبة) حين بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم… إلخ إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبت في خبر الفاسق، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد فهذا جيد، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات فهذا ضعيف، لأن الوليد لم يتقصّد الإساءة إليهم، ورواية الإمام أحمد تدل على أنّ الوليد خاف وفَرق حين رأى جماعة الحارث- وقد خرجت في انتظاره- فظنّها خرجت لحربة فرجع وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما أخبره ظناً منه أنهم خرجوا لقتاله.

يقول الإمام الفخر: ويدل على ضعف قول من يقول إنها نزلت لكذا أن الله تعالى لم يقل: إني أنزلتها لكذا والنبي عليه السلام لم ينقل عنه أنه بيّن أن الآية وردت لبيان ذلك فحسب، غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل التاريخ لنزول الآية، ويتأكد ما ذكرنا أن اطلاق لفظ (الفاسق) على الوليد شيء بعيد، لأنه توهّم وظنّ فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقاً، وكيف والفاسق في أكثر المواضع المرادُ به من خرج من ربقة الإيمان لقوله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين} [المنافقون: 6] وقوله تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وقوله تعالى: {وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار} [السجدة: 20] إلى غير ذلك.

ب- وأمَّا قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا} فقد ذُكِر في سبب نزولها ما يأتي:

أولاً: أخرج البخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيتَ (عبد الله بن أُبَي) فانطلَقَ إليه وركب حماراً، وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: واللَّهِ لحمارُ رسول الله أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب للأنصاري آخرون من قومه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنّعال، فأنزل الله فيهم:) وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا(.

ثانياً: وروى الشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يعود (سعد بن عُبادة) فمرّ بمجلس فيهم عبد الله بن أُبَيّ، وعبد الله بن رواحة، فخمّر ابن أُبيّ وجهه برادائه، وقال: لا تغبّروا علينا، فقال عبد الله بن رواحة: لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فتعصّب لكل أصحابه فتقاتلوا حتى كان بينم ضرب بالنعال والأيدي والسّعف فنزلت الآية.

.

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: هل يُقبل خبر الواحد إذا كان عدلاً؟

استدل العلماء بهذه الآية الكريمة: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} على قبول خبر الواحد إذا كان عدلاً ووجه الاستدلال من جهتين:

الأولى: أن الله تعالى أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولو كان خبر الواحد العدل لا يقبل لما كان ثمة فائدة من ذكر التثبّت، لأن خبر كلٍ من العدل والفاسق مردود، فلما دلّ الأمر بالتثبت في خبر الفاسق، وجب قبول خبر العدل، الثانية: أن العلة في ردّ الخبر هي (الفسق) لأن الخبر أمانة، والفسقُ يبطلها، فإذا انتفت العلة النتفى الرد، وثبت أن خبر الواحد ليس مردوداً، وإذا ثبت ذلك وجب حينئذٍ قبوله والعمل به.

وأمّا المجهول: الذي لا تُعلم عدالته ولا فسقه فقد استدل فقهاء الحنفية على قبول خبره، وحجتهم في ذلك أن الآية دلت علىأنّ الفسق شرط وجوب التثبت، فإذا انتفى الفسق فقد انتفى وجوبه، ويبقى ما وراءه على الأصل وهو قبول خبره، لأن الأصل في المؤمن العدالة.

وأنت ترى أنّ هذا الاستدلال مبنيٌ على أنّ الأصل العدالة، ولكنّ بعض الفقهاء يعارض في هذا ويقول: الأصل الفسق لأنه أكثر، والعدالة طارئة فلا يقبل قوله حتى يثبت من عدالته.

الترجيح: والظاهر أن مسألة قبول خبر المجهول مبنيّة على هذا، فإن صحّ أن الأصل العدالة فهو باق على عدالته حتى يتبيّن خلافها، وإن كان الأصل عدمها فهو داخل في حكم الفسق حتى تتبيّن عدالته، والمسألة تطلب بالتفصيل من كتب الأصول.

الحكم الثاني: هل يجب البحث عن عدالة الصحابة في الشهادة والرواية؟

استدل بعض العلماء بالآية الكريمة على أنّ من الصحابة من ليس بعدل، لأنّ الله تعالى أطلق لقب الفاسق على (الوليد بن عقبة) فإنها نزلت فيه، وسببُ النزول لا يمكن إخراجه من اللفظ العام، وهو صحابي بالاتفاق، وقد أمر الله بالتثبت من خبره، فلا بدّ من البحث عن عدالة الصحابة في الشهادة والرواية.

والمسألة خلافية وفيها أقوال كثيرة نذكرها بإيجاز:

الأول: أن الصحابة كلّهم عدول، ولا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، وهذا رأي جمهور العلماء سلفاً وخلفاً.

الثاني: أن الصحابة كغيرهم يُبحث عن العدالة فيهم في الرواية والشهادة إلا من يكون ظاهر العدالة أو مقطوعها كالشيخين (أبي بكر) و(عمر) رضي الله عنهما.

الثالث: أنهم عدول إلى زمن عثمان رضي الله عنه، ويبحث عن عدالتهم من مقتله، وهذا رأي طائفة من العلماء.

الرابع: أنهم عدول إلاّ من قاتل علياً كرّم الله وجهه لفسقه بالخروج على الإمام الحق وهذا مذهب المعتزلة.

الترجيح: والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء سلفاً وخلفاً من أن الصحابة كلهم عدول، ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومزيد ثناء الله عزّ وجلّ عليهم في كتابه العزيز كقوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] أي عدولاً، وقوله سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقوله جلّ ذكره: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]. وقوله جلّ وعلا: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك هُمُ الصادقون} [الحشر: 8] وقوله جلّ وعلا: {رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [المائدة: 119] إلى آخر ما هناك من الآيات الكثيرة.

وكذلك ما ثبت في السنة المطهرة من مدحهم، والثناء عليهم، وبيان أنهم أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، ونحن نذكر بعض هذه الأحاديث الشريفة التي تشير إلى فضيلتهم باختصار.

أ- قال صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم» الحديث.

ب- وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبُّوا أصحابي فالوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه».

ج- وقال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه».

فهذه الأخبار التي وردت في الكتاب والسنة كلها متضافرة على عدالة الصحابة وأفضليتهم على سائر الناس، وما وقع من بعضهم من مخالفات فليس يسوغ لنا أن نحكم عليهم بالفسق، لأنهم لا يصرّون على الذنب، وإذا تاب الإنسان رجعت إليه عدالته ولا يحكم بفسقه على التأبيد، فهذا (ماعز الأسلمي) الذي ارتكب الفاحشة يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمر برجمه: «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم».

والقولُ: بأنَّ بعض الصحابة قد وقع في الذنب والمخالفة- بناء على الاعتقاد بعدم عصمتهم- لا يعني أنهم غير عدول، لأن الفاسق الذي ترد شهادته وروايته هو الذي يصرّ على الذنب والمعصية، وليس في الصحابة من يصر على ذلك.

وقد عرفتَ ما ذكره الإمام الفخر أنها لم تنزل خاصة بسبب (الوليد بن عقبة) وإنما نزلت عامة في بيان حكم كل فاسق، وأنها نزلت في ذلك الوقت الذي حدثت فيه تلك القصة، فهي مِثْل التاريخ لنزول الآية، وكلامُ الإمام الفخر نفيس فارجع إليه.

الحكم الثالث: هل تقبل شهادة الفاسق أو المبتدع؟

أتفق العلماء على أن شهادة الفاسق لا تقبل عملاً بالآية الكريمة: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا}، وكذلك لا تقبل روايته، لأن الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانة ودين، والفسقُ يبطلها لاحتمال كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال القرطبي: ومن ثبتَ فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها.

وقال الجصّاص: وقوله تعالى: {فتبينوا} اقتضى ذلك النهي عن قبول شهادة الفاسق مطلقاً، إذ كان كل شهادة خبراً، وكذلك سائر أخباره، فلذلك قلنا: شهادة الفاسق غير مقبولة في شيء من الحقوق، وكذلك أخباره في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلّ ما كان من أمر الدين، يتعلّق به إثبات شرع، أو حكم، إو إثبات حق على إنسان.

وقد استثنى العلماء من قبول خبر الفاسق أموراً تتعلّق بالمعاملات وليس فيها شهادة على الغير منها:

أ- قبول قوله في الإقرار على نفسه مثل: لفلان عندي مائة درهم فيقبل قوله كما يقبل في ذلك قول الكافر، لأنه إقرار لغيره بحق على نفسه فلا تشترط فيه العدالة.

ب- قبول قوله في الهدية والوكالة مثل إذا قال: إنّ فلاناً أهدى إليك هذا، يجوز له قبوله وقبضه، ونحوه قوله: وكّلني فلان ببيع عبده هذا فيجوز شراؤه منه.

ج- وكذلك في الإذن بالدخول ونحوه كما إذا استأذن إنسان فقال له: ادخلْ لا تشترط فيه العدالة. ومثل هذا جميع أخبار المعاملات إذا لم يكن فيها شهادة على الغير.

واختلف العلماء في أمر الولاية بالنكاح، (فذهب الشافعي) وغيره إلى أن الفاسق لا يكون وليّاً في النكاح، لأنه يسيء التصرف، وقد يضرّ بمن يلي أمر نكاحها بسبب فسوقه.

وقال أبو حنيفة ومالك: تصح ولايته، لأنه يلي مالها فيلي بُضْعها كالعدل، وهو- وإن كان فاسقاً- إلاّ أنّ غيرته موفّرة، وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ويصون الحُرمة، وإذا ولي المال فالنكاح أولى.

الحكم الرابع: هل تصحّ ولاية الفاسق؟

قال ابن العربي رحمه الله: ومن العجب أن يجوّز الشافعيّ ونظراؤه إمامة الفاسق، ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دَيْن؟! وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلّون بالناس، لمّا فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا استطيعت إزالتهم صُلّي معهم ووراءهم، كما قال عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس، فإذا أحسنوا فأحسنْ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.

الحكم الخامس: هل يجب قتال أهل البغي؟

ذهب جمهور العلماء إلى وجوب قتال أهل البغي، الخارجين على الإمام أو أحد المسلمين، ولكنْ بعد دعوتهم إلى الوفاق والصلح، والسير بينهم بما يصلح ذات البين، فإن أقاموا على البغي وجب قتالهم عملاً بقوله تعالى: )فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التي تَبْغِي حتى تفيء إلى أَمْرِ الله(.

وذهب جماعة ممن يدَّعي العلم إلى عدم جواز قتال البغاة من المؤمنين، واحتجوا بقوله عليه السلام: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر».

وهذا الحديث لا ينهض حجة لهم، لأنّ من بغى من المؤمنين فقد أمر القرآن بقتاله، فكيف يحتج بمثل هذا الحديث لإبطال حكم الله عز وجلّ؟

أدلة الجمهور:

استدل الجمهور على وجوب قتال البغاة بعدة أدلة نوجزها فيما يلي:

أ- قوله تعالى: {فقاتلوا التي تَبْغِي حتى تفيء إلى أَمْرِ الله} الآية.

ب- حديث: «سيخرج قوم في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانُهُم حناجِرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة».

ج- حديث: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قومٌ يحسنون القول ويسيئون العمل، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، لا يرجعون حتى يرتدّ على فوقه، هم شرّ الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، قالوا يا رسول الله: ما سيماهم؟ قال: التحليق»

فهذه الأحاديث صريحة في وجوب قتال أهل البغي ومن شايعهم على باطلهم من أهل الفجور والضلال.

الحكم السادس: هل تكون أموال البغاة غنيمة للمسلمين؟

اختلف العلماء في حكم أموال البغاة هل تكون غنيمة للمسلمين؟ أم تردّ إليهم بعد الصلح وانتهاء الحرب؟

أ- فقال محمد بن الحسن الشيباني: إنّ أموالهم لا تكون غنيمة، وإنما يستعان على حربهم بسلاحهم وخيلهم عند الاستيلاء عليه، فإذا وضعت الحرب أوزارها رُدّ عليهم السلاح والمال.

ب- وقال أبو يوسف: إنّ ما وجد في أيدي أهل البغي من سلاح وعتاد فهو (غنيمة) يقسم ويخمّس.

ج- وقال مالك: لا تسبى ذراريهم ولا أموالهم، وهو مذهب الشافعي.

حجة أبي يوسف: أنهم باغون معتدون فيقسم مالهم غنيمة بين المسلمين.

حجة الجمهور: أنّ بغيهم يُحلّ قتالهم ولا يُحلّ أموالهم وذراريهم لأنهم ليسوا كفاراً، وإنما هم مؤمنون باغون، أو فاسقون خارجون عن الطاعة، والأمر بقتالهم من أجل ردّهم إلى صف المؤمنين.

الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأنهم ليسوا كفاراً، ولأننا لو أخذنا أموالهم وسبينا ذراريهم تألبوا علينا ولم يمكن ردّهم إلى صف المسلمين والله أعلم.

Lecture 10

[10] حرمة مس المصحف

. (75- 87):

[1] حرمة مس المصحف:

{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)}

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: هل في الاية قسم حقيقي؟ وما هي طريقة هذا القسم؟

اختلف المفسرون في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} وكيف نجمع بين هذا اللفظ الذي صورته (نفي القسم) وبين قوله: )وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ( الذي هو صريح في إثبات القسم؟ على عدة أقوال:

1- قال بعضهم: وهم الجمهور إنّ (لا) زائدة زيدت للتأكيد، مثلها في قوله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب} [الحديد: 29] أي ليعلم، وقول الشاعر:

ب- وقال آخرون: إنّ (لا) هنا هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت الألف نظير الألف ويكون معنى الآية: لأَقْسِمٌ.

ج- وقال آخرون: هي (للنفي) وهو نفي لمحذوف هو ما كان يقوله الكفار: إن القرآن سحر، أو شعر، أو كهانة، ويكون حاصل لمعنى: لا صحة لما يقولون، أُقْسمُ بمواقع النجوم، ويكون الأمر فيه نفياً لكلام سابق، وابتداءً بكلام مستأنف.

وهذا الرأي ضعيف أيضاً لأن النحاة يقولون: إنّ اسم (لا) وخبرها لا يصح حذفهما إلاّ إذا كانا في جواب سؤال، ثم إنه في مثل هذه الحالة يتعين العطف بالواو كما يقال: هل شفي فلانٌ من مرضه؟ فيقال: لا وشفاه الله… إلخ.

د- واختار الفخر الرازي رأياً آخر خلاصته: أنّ (لا) نافية باقية على معناها، وأنّ في الكلام (مجازاً تركيبياً) وخلاصة المعنى أن نقول: لا حاجة إلى القسم لأنّ الأمر أظهر وأوضح من أن يقسم عليه، وهذا الرأي جميل لأنه لا يراد به نفي القسم حقيقة بل الإشارة إلى أنه من الجلاء والوضوح بحيث لا يحتاج إلى قسم.

الحكم الثاني: ما المراد بالكتاب المكنون في الآية الكريمة؟

اختلف الفسرون في المراد بالكتاب المكنون.

فقيل: هو (اللوح المحفوظ) ومعنى أنه مكنون أي أنه مستور عن الأعين، لا يطّلع عليه إلا بعض الملائكة، كجبريل وميكائيل عليهما السلام.

وقيل إن الكتاب: لا يراد به اللوح المحفوظ، وإنما يراد به القرآن الكريم (المصحف) فهذا القرآن العظيم كما أنه محفوظ في الصدور، كذلك هو مسجل في السطور كما قال تعالى: {فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} [عبس: 13] وعلى هذا التفسير يكون معنى: {مَّكْنُونٍ} أي أنه محفوظ من التبديل والتغيير، ويكون على حدّ قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9].

الحكم الثالث: ما المراد من قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون}؟

اختلف المفسرون في الضمير في هذه الآية الكريمة وهو قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ} هل هو راجع إلى القرآن العظيم؟ أم إلى الكتاب الذي هو على رأي بعضهم (اللوح المحفوظ) فإذا أعيد الضمير على القرآن الكريم يكون المراد من قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ} أي لا يمسّ هذا القرآن إلاّ طاهر من الحدثين: الأصغر والأكبر. ويكون النفي على معنى أنه لا ينبغي أن يمسه كما في قوله تعالى: {الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} [النور: 3].

ويرى البعض أنّ (لا) ناهية وليست نافية، والضمة التي فيه للإتباع لا للإعراب، والذين قالوا إن المراد باللفظ هو اللوح المحفوظ فسروا المطهّرين بالملائكة واستدلوا بقوله تعالى: {فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 13- 16] فقالوا هذه الآية تشبه تلك فالمراد بها إذاً الملائكة.

Lecture 11

الحكم الرابع: ما هو حكم مسّ المصحف الشريف؟

القرآن الكريم كتاب الله المقدس يجب تعظيمه واحترامه، ومن تعظيمه وإجلاله ألاّ يمسه إلاّ طاهر، ومسألة عدم جواز مسّ المصحف للمحدث أمر يكاد يجمع عليه الفقهاء، ومن أجازه من الفقهاء فإنما أجازه لضرورة (التعلم والتعليم) فالمحدث والجنب، والحائض، والنفساء، كلّ هؤلاء يحرم عليهم مس المصحف لعدم الطهارة.

رأي ابن تيمية رحمه الله: استدل ابن تيمية على الحكم الشرعي من وجه لطيف فقال: إنّ الآية تدل على الحكم من باب (الإشارة) فإذا كان الله تبارك وتعالى يخبر أنَّ الصحف المطهَّرة في السماء لا يمسُها إلا المطهّرون فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألاّ يمسّها إلا طاهرانتهى.

أقول: هذا هو الحق الذي ينبغي التعويل عليه، وهو ما اتفق عليه الفقهاء من حرمة مسّ المصحف الشريف بدون طهارة.

تنبيه هام:

قلنا إن مسَّ المصحف لغير المتطهر حرام، وهذا الحكم لا اعتراض عليه، إنما الاختلاف بين الفقهاء هل هو مستنبط من الآية الكريمة؟ أم مأخوذ من دليل آخر؟

فيرى بعض الفقهاء أن الحكم الشرعي بحرمة مسّ القرآن مأخوذ من نفس هذه الآية الكريمة، لأنه (خبر) يقصد به (النهي) فكأنه تعالى يقول: لا تمسّوه إلاّ إذا كنتم على طهارة.

وقال آخرون الحكم ثبت من السنة لا من الآية الكريمة وقد ذكروا بعض الوجوه التي يُرجَّح بها هذا الرأي منها:

أ- إنّ الآيات هاهنا مكية، ومعلوم أن القرآن في مكة كانت عنايته موجهة إلى أصول الدين لا إلى فروعه.

ب- قالوا الآية خبر وتأويلكم لها يخرجها عن (الخبر) إلى (الإنشاء) الذي يراد به النهي، والأصلُ أن يحمل اللفظ على الحقيقة.

ج- قالوا إنّ لفظ: {المطهّرون} يشير إلى ما قلنا وهو الذي تكون طهارته ذاتية وهم (الملائكة) وأما المتطهرين فهم الذين تكون طهارتهم بعملهم نظراً لقوله تعالى: {إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين} [البقرة: 222] فلو أراد الله سبحانه الإخبار عن وجوب الطهارة لقال: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون}!!.

والخلاصة: فإن السنة والآثار تنصّ على وجوب الطهارة لمسّ القرآن فقد ثبت فيما رواه ابن حبان وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً إلى أهل اليمن وجاء فيه: «وألاّ يمسّ القرآن إلا طاهرٌ».

وبهذا قال الجمهور من الفقهاء منهم: (مالك وأبو حنيفة والشافعي) رحمهم الله وقد كان كثير من الصحابة يأمرون أولادهم بالوضوء لمس المصحف،

الحكم الخامس: ما هي الحكمة من القسم؟

جرت العادة عند العرب أن يستعملوا القسم عند إرادة توكيد الكلام، والقرآنُ الكريم نزل بلغة العرب، وقد كانت آياته الكريمة تحوي أنواعاً من القسم وضرورياً من التفنّن البديع في توكيد الكلام، وليس المراد من القسم إثبات الدعوى، فالدعاوى لها ما يثبتها من الأدلة القطعية التي ثبتت عن طريق الحجة والبرهان.

ثمّ إنّ المخاطب أحد رجلين: إمَّا مؤمن بالقرآن، أو مكذب به، فالمؤمن لا يحتاج إلى قسم فهو مصدِّقٌ بما أخبر عنه الله تعالى بدون يمين، والمكذّب الذي لم تغنه الآيات والنّذُر لن يصدّق بمجرد القسم بعد أن لم يؤثر فيه الدليل، فثبت أنّ المراد بالقسم إنما هو توكيد الكلام ليس إلاّ ولفتُ النظر إلى أهمية الموضوع، وأهمية الأمر، فحين يقسم الله تعالى بشيء من الأشياء تتوجه النفس إلى سرّ هذا القسم بهذا المخلوق متسائلة ما سرّه؟ وما معناه؟ ولم أقسم به دون غيره؟ وحينئذٍ تبحث عن الحكمة والسرِّ في ذلك القسم!!

الحكم السادس: ما هي أنواع القسم المذكورة في القرآن الكريم؟

ورد القسم في القرآن الكريم على أنواع عديدة، وضروب شتى، إمَّا من ناحية القسم نفسه، أو من ناحية المقسم عليه.

1- فجاء القسم بالذات العلية مثل قوله تعالى: {فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذاريات: 23] وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92].

2- وجاء القسم بأشياء من خلقه سبحانه مثل: {والتين والزيتون} [التين: 1] {والشمس وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] {والفجر * وَلَيالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1- 2].

3- وجاء القسم بالقرآن الكريم مثل: {ص والقرآن ذِي الذكر} [ص: 1] {حم* والكتاب المبين} [الزخرف: 1- 2] {ق والقرآن المجيد} [ق: 1].

4- وجاء أيضاً على الشكل الذي معنا في الآيات الكريمة بلا النافية وفعل القسم مثل قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس * الجوار الكنس} [التكوير: 15- 16] وقوله: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة} [القيامة: 1] وقوله: {لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد} [البلد: 1] هذا من ناحية القسم.

أما من ناحية المقسم عليه فإمّا أن يكون.

1- أصول الإيمان كوحدانية الله سبحانه مثل قوله تعالى: {والصافات صَفَّا… إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ} [الصافات: 1- 4].

2- أو يكون المراد إثبات أن القرآن حق مثل الآية التي معنا: {فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم… إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}.

3- أو يكون المراد إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم مثل قوله تعالى: {يس * والقرآن الحكيم * إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين}[يس: 1- 3].

4- أو يكون المراد نفي صفة ذميمة أتهم بها المشركون الرسول صلى الله عليه وسلم مثل قوله: {ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم: 1- 2].

الحكم السابع: هل يجوز القسم بغير الله سبحانه؟

أجمع العلماء على حرمة القسم بغير الله سبحانه، أو صفةٍ من صفاته تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليذر» هذا بالنسبة للخلق، أما بالنسبة للخالق فله أن يقسم بما شاء من خلقه، لأن في القسم بالشيء تنبيهاً إلى عظمته وأهميته، والله سبحانه وتعالى قد أقسم بكثير من الآيات كما مر معنا تنبيهاً إلى شرفها وما حوت من إبداع وإتقان ليكون ذلك دليلاً على عظمة خالقها جل وعلا.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليذر».

Lecture 12

[11] تلاوة القرآن:

.(1- 10):

{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)}

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: هل قيام الليل كان فريضة على الرسول صلى الله عليه وسلم؟

ظاهر قوله تعالى: {قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً} أن التهجد كان فريضة عليه صلى الله عليه وسلم وأنّ فرضيته كانت خاصة به، وممّا يدل عليه قوله تعالى في سورة الإسراء [79] {وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} فإنّ قوله: {نَافِلَةً لَّكَ} بعد الأمر بالتهجد ظاهر في أن الوجوب من خصائصه عليه الصلاة والسلام وليس معنى النافلة في هذه الآية ما يجوز فعله وتركه، فإنه على هذا الوجه لا يكون خاصاً به عليه الصلاة والسلام، بل معنى كونه التهجد نافلة له أنه شيء زائد على ما هو مفروض على سائر الأمة.

وقد كان المؤمنون يصلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ورمت أقدامهم وسوقهم من القيام، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في آخر السورة: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ…} [المزمل: 20] إلى قوله: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن} [المزمل: 20] الآية.

قال ابن عباس: وكان بين أول هذا الإيجاب وبين نسخه سنة.

وقال جماعة من المفسّرين: ليس في القرآن سورة نسخَ آخرُها أوّلَها سوى هذه الآية.

الحكم الثاني: هل تجوز قراءة القرآن بالتلحين؟

أمر الله جلّ ثناؤه بترتيل القرآن: {وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً} أي اقرأه على تؤده وتمهل وتبين حروف، بحيث يتمكن السامع من استيعابه وتدبر معانيه.

ولا خلاف بين العلماء أن قراءة القرآن بالترتيل بمعنى التجويد، وهو تبيين الحروف، وتحسين المخارج، وإظهار المقاطع حسن مطلوب، إنما الكلام في التغنّي به وتلحينه هل هو جائز أم ممنوع؟

وقد اختلفت فيه آراء الأئمة الفقهاء، تبعاً لاختلاف الصحابة والتابعين، ونحن نذكر مذاهبهم مع أدلة كلّ فريق بشيء من التفصيل، فنقول ومن الله نستمدّ العون:

 

مذاهب الفقهاء في القراءة بالتلحين:

أولاً: مذهب (المالكية والحنابلة): كراهة القراءة بالتلحين، وهو منقول عن (أنس بن مالك) و(سعيد بن المسيّب) و(سعيد بن جبير) و(القاسم بن محمد) و(الحسن البصري) و(إبراهيم النخعي) و(ابن سيرين).

ثانياً: مذهب (الحنفيّة والشافعية): جواز القراءة بالتلحين، وهو منقول عن: (عمر بن الخطاب) و(ابن عباس) و(ابن مسعود) و(عبد الرحمن بن الأسود بن زيد) وقد ذهب إليه من المفسرين (أبو جعفر الطبري) و(أبو بكر بن العربي).

أدلة المذهب الأول:

أ- حديث: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتهم، وإيّاكم ولحونَ أهل الكتاب والفسق، فإنه يجيءُ من بعدي أقوام يرجّعُون بالقرآن ترجّع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهُمْ، مفتونةٌ قلوبُهم وقلوبُ الذين يعجبهم شأنُهم».

فقد نعى عليه السلام على من يرجّع بالقرآن ترجيع الغناء والنوح على نحو ما يفعله أكثر قرّاء هذا العصر.

ب- حديث: «يتخذون القرآن مزامير، يقدّمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم ليغنّيَهم غناءً».

ج- حديث: «إنّ الأذانَ سهلٌ سمحٌ، فإن كان أذانُك سهلاً سمحاً وإلاَّ فلا تؤذّن» قالوا: فقد كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرب المؤذن في أذانه، فدلّ ذلك على أنه يكره التطريب في القراءة بطريق الأولى.

د- وقالوا أيضاً: إن التغنّي والتطريب يؤدي إلى أن يزاد على القرآن ما ليس منه، وذلك لأنه يقتضي مدّ ما ليس بممدود، وهمز ما ليس بمهموز، وجعل الحرف الواحد حروفاً كثيرة وهو لا يجوز، هذا إلى أن التلحين من شأنه أن يلهي النفوس بنغمات الصوت، ويصرفها عن الاعتبار والتدبر لمعاني القرآن الكريم.

وقد سئل (مالك) عن الألحان في الصلاة فقال: لا تعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنّون به ليأخذوا عليه الدراهم.

وروي عن الإمام (أحمد) أنه كان يقول: قراءة الألحان ما تعجبني، والقراءة بها بدعة لا تسمع.

وسئل: ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال للسائل: ما اسمك؟ قال: محمد، قال له: أيسرّك أن يقال لك: يا موحامد ممدوداً؟

أدلة المذهب الثاني:

واستدل المجيزون للقراءة بالتلحين وهم (الحنفية والشافعية) بأدلة نوجزها فيما يلي:

أ- حديث: «زينوا القرآن بأصواتكم».

ب- حديث: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن».

ج- حديث عبد الله بن مغفّل قال: (لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود) فقال له أبو موسى: (لو علمت أنك تسمع لحبّرته لك تحبيراً).

هـ- حديث: «ما أذِنَ الله لشيء أذنَه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن».

و- وقالوا أيضاً: إنّ الترنّم بالقرآن والتطريب بقراءته من شأنه أن يبعث على الاستماع والإصغاء، وهو أوقع في النفس، وأنفذ في القلب وأبلغ في التأثير.

وقد روى الطبري: عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري: ذكّرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن فيقول عمر: من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل.

وكان ابن مسعود: تعجبه قراءة (علقمة الأسود)- وكان حسن الصوت- فكان يقرأ له علقمة، فإذا فرغ قال له: زدني فداك أبي وأمي.

هذه خلاصة موجزة لأدلة الفريقين، وأنت إذا أمعنت النظر وجدت أن الخلاف بينهم يكان يكون (شكلياً) لا (جوهرياً) فالفقهاء جميعاً متفقون على حرمة قراءة القرآن بالأنغام، التي لا تراعى فيها أحكام التجويد، كمدّ المقصور، وقصر الممدود، وترقيق المفخّم، وتفخيم المرقق، وإظهار ما ينبغي إدغامه، وإخفاء ما ينبغي إظهاره… إلخ، والتي يكون الغرض منها (التطريب) وإظهار جمال الصوت فحسب دون تقيّد بالأحكام وآداب التلاوة، كما يفعله بعض الجهلة من قراء هذا العصر، فإن هذا لا يشك أحد في تحريمه.

أما إذا كان المراد ب (التلحين) هو تحسين الصوت بالقراءة وإخراج الحروف سليمة من مخارجها، دون تعقر أو تمطيط، مع تطبيق أحكام التجويد ومراعاة الوقوف والمدود فإن هذا لا يقول أحد بتحريمه، لأن الصوت الحسن يزيد في جمال القرآن، وله أثر في نفس الإنسان، وقد استمع النبي عليه الصلاة والسلام إلى قراءة بعض أصحابه، فأعجب بحسن صوته حتى قال لأبي موسى الأشعري: «لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود» والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

تمّ بعونه تعالى الجزء الثاني من كتاب روائع البيان وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

Author: shahid

Leave a Reply